ادب

 إطلالة نقدية حول رواية “عرين الجسد ” للكاتب الفلسطيني رجب أبو سرية .. بقلم : غادة صلاح الدين

عرين الجسد عنوان يعطي انطباعات مختلفة؟ فتظن بداية الأمر أنه يقصد الانفعالات والتغيرات التي تطرأ على الجسد دون الفكر الذي يسيطر عليه، أو أن الكاتب يريد بك أن تذهب معه في رحلة إلى ما هو أبعد مما أعطاك مؤشر عنوانه.
كان الإهداء في هذه الرواية هو خلاصة ما وصلت إليه بطلتها حيث الكاتب فيه:
“إليها بطلة النص .. صاحبة الحكاية .. فأنا لم أكن إلا راويا أو ساردا .. نقلت إلى الخيال ما فعلته هي في الواقع!
حين يجتمع الفقر والجهل والتخلف .. يضيع الحب وتبدأ المعاناة”.

قرأت هذه الرواية، فشعرت بخليط من المشاعر التي آذتني كمواطن عربي يهتم بالقضية الفلسطينية، وكقاريء يطلع على شتى الأجناس الأدبية غير أن الإباحية هنا صادمة للغاية و لم توظف دراميا .

وفي البداية لا أنكر أن الكاتب روائي قدير يستطيع أن يأخذك من أول حرف فلا تفلت منه إلا عندما تصل لنهاية الرواية، أسلوبه السردي رشيق، يخلط بين الفصحى والعامية الفلسطينية المحببة، فنرى نشوى بطلة روايته التي تبحث عن النشوة في كل أمور حياتها ضاربة بعرض الحائط كل القيم والمعايير السامية، فهي نتاج للجهل عندما فشلت في تعليمها وفقدت هويتها كإنسان ينتمي لوطن محتل لم تُعِرْ القضية أي جانب من الاهتمام أو الحد الأدني للمعرفة بما يدور حولها غير أنها نشأت في بيئة متزمتة، حيث كان الأب قليل الحيلة والأخ عنصر من عناصر الإرهاب والتطرف، وأم تريد لها فقط زوجًا غنيًّا ينتشلها من الحرب و الدمار، ولم تكلف خاطرها أن تعلم طفلة جميلة مراهقة كيف أن تحافظ على نفسها وكيف تزرع فيها القيم و المباديء والفضيلة التي عهدناها في نساء العرب جميعا إلا القليل الذي شَذَّ عن ذلك.

ما أخذته على هذه الرواية المتعددة الأصوات عدم وجود رمز واحد إيجابي في المجتمع الفلسطيني، وعدم التحول في الشخصيات التي سارت على وتيرة واحدة طوال أحداث الرواية؛ مما أضعفها وتخلل الملل إلى نفسي والغيرة في نفس الوقت.

أين نساء فلسطين الرائدات في هذه الرواية؟ لماذا أخذت الرواية هذا المنحى السلبي؟ لم أجد صوتًا واحدًا إيجابيًّا اللهم إلا صوت جليل جابها القديم والذي لا يتعد بعض كلمات!!!

أين الرائدات الفلسطينيات اللاتي عشن التاريخ المعاصر وفق الوقائع والظروف العصيبة المعقدة الناتجة عن احتلال الأرض.
أين فدوى طوقان؟ أين نوال حلاوة؟ التى واجهت الجنود الإسرائليين بنفسها في لبنان؟ أين اعتدال الخطيب الحاصلة علي لقب امرأة فلسطين لعام 2016 والتى اعتُقلت مرتين؟ أين يسرا الخطيب وأين زكية شموط؟ و دلال المغربي هي واحدة من أشهر المناضلات الفلسطينيات التي ولدت عام 1958 في أحد مخيمات اللجوء في بيروت وهي ابنة لعائلة من مدينة يافا، لجأت إلى لبنان بعد حرب 1948، وانضمت لصفوف الثورة الفلسطينية باكرا، وتلقت عدة دورات عسكرية ودروسا في حرب العصابات واستخدام الأسلحة، تأثرت المغربي باغتيال القادة الثلاثة: كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار عام 1973، ما جعلها تشارك بعملية كمال عدوان التي خطط لها القائد خليل الوزير ، وفي 11 آذار 1978 نجحت دلال وفرقتها في الوصول إلى تل أبيب والاستيلاء على حافلة إسرائيلية تقل جنودا، ووقع اشتباك بين الفدائيين والجنود ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، وبعدما أمر إيهود باراك بإيقاف الحافلة وقتل الفدائيين، قامت دلال بتفجير الحافلة بركابها!!!

أين هموم فلسطين في هذه الرواية ؟
هل يمكننا مغازلة غزة -التي تعاني الفقر والحرب وندرة الماء وانقطاع الكهرباء وتفشي الأمراض واستحالة الحصول على العلاج- بشخصية نرجسية لا تبحث إلا عن نشوة جسدها الملطخ بالجهل وبما عليه من بصمات العار الذي لم عرينها الفارغ من الإنسانية والأمومة وإنكار الذات ولاحتواء من هم أهم منها!! وهل خَلَق الله في هذه الرواية -على حد قول العامية المصرية الحبيبة (خَلْقْ الله كلهم شمال)- ناهينا عن رؤيتها و تقيميها للزوج الذي من وجهة نظري لم يخطيء في شيء -سوى في اختيارها- تقييم خاطيء و غير علمي ولا منطقي! وعن علاقاتها المتعددة مع جميع من قابلتهم من الرجال وكان الهدف الأساسي من هذه العلاقات امتاع هذا العرين الملوث وكذا صديقاتها اللاتي يعشقن و يقمن علاقات غير شرعية و أيضا ظابط المخابرات
فالمشهد جميعه ملوث خاصة بعد هذه النهاية التى أصرت فيها البطلة علي موقفها المعلن من أول سطر في هذه الرواية.

هل يعقل يا سادة أن من كان منوطا بالحماية والدفاع عن شرفه وعرضه يكون هو الكاشف لعورته وسوْءَته والناشر لها؟! حتى وإن وُجدت تلك النماذج السيئة في مجتمعنا، هنا -وإن وجدت- وجب السكوت عنها وستر سوآتنا، وإيجاد الحلول لعلاجها أو إبراز نماذج أخري ايجابية توازن الأمور، فالكاتب هنا يبدو كالمجاهر بالمعصية مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل أمتي معافى إلا المجاهرون”.

فالأدب ما يرقى به الكاتب إلى معاني الفضيلة من حق وخير وجمال، بما يسمو بمشاعر وأحاسيس وسلوكيات المتلقي بإبراز الجيد لا الرديء، فنحن في أمس الحاجة في مجتمعنا العربي إلى هذا، ومن غير اللائق أن نختزل تاريخ المرأة الفلسطينية المليء بالصفحات الناصحة المشرفة في ذلك النموذج الرديء الذي لا يخلو منه أي مجتمع عربي كان او غير عربي.
يقول نابليون بونابرت: “المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها”.
 

……………………………

غادة صلاح الدين
٣ يوليو 2020

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق