ادب

“الأنساق المضمرة” في قصة “الزلزال” للأديب د. محمد فؤاد منصور .. بقلم : د. نجلاء نصير

مما لا شك فيه أن الأنساق  الظاهرة  غاليًا ما تكون أنساقًا  مخاتلة  تتحايل  على كل ماهو مضمر في السرد ،ويتجلى دور النقد الثقافي في كشف النقاب عن المضمر والحفر في بنية النص وتفكيكه وتأويله والبحث عن المكنون النفسي للنص ومن ثم يمكنسبر أغوار النص

فالعتبة الأولى للنص هي “العنوان ” فهو المدخل  الرئيس للنص  والذي يتطلب جهدًا من المتلقي الفطن لفك شفرته  فمن لا يجيد طرق أبواب النص لايوفق في سبر أغواره  فالعتبات هي  أساس البناء المعماري للسردية  لذلك فالعتبة التي نهدف لدراستها هنا تعد الحقل المعرفي  الجديد الذي يُعنى  يمتن النص  ويعود الفضل لجيرار جينيت وكتابه عتبات النص  إذ يعد محطة رئيسية  لكل عمل يسعى غلى فك شفرات خطابعتبات النص

وعنوان القصة  “الزلزال “

فالزلزال أو الهزة الأرضية هو ظاهرة طبيعية وهو عبارة عن اهتزاز أوسلسلة من الاهتزازات  الارتجاجية المتتالية لسطح الأرض تحدث في وقت لا يتعدى  الثواني ،والتي تنتج عن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية ، ويسمى مركز الزلزال البؤرة ، يؤدي الزلزال إلى تشقق الأرض ….

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن  هل  الزلزال  بمفهومه الجيولوجي  ، ام  أن  هناك  أنساق  مضمرة  في  هذا العنوان المخاتل سيكشفها  متن  السردية  للمتلقي ؟!

 

تبدأ السردية  بالمونولوج  الداخلي  بين البطل”ممدوح”  وذاته   بقوله  : “لم يبق إلا  ان تقول  الشعر  ! . ثم يتبع  ذلك بسؤال استنكاري

“ما الفرق  بينك  وبين  قيس ليلى  أو  جميل بثسنة   أو كُثير  عزة  ؟ أليسوا كلهم من المجانين  ؟!”

فهذا التناص  مع شعراء  الحب  العذري  وهو حب يتمتع بالعفة  وعاطفته صادقة  ويدوم ويستمر رغم  الأسى  والحرمان وقد نضج هذا الحب في عصر الدولة الأموية  ويتسم هذا الشعر بالرقة  والعذوبة  والرومانسية  ،فالبطل ضرب  للمتلقي  أمثلة  لهؤلاء الشعراء  الذين  اخلصوا في  الحب  لكن  هذا الحب  كلل  بالحرمان

فالمتلقي  الفطن  يجد  نفسه  أمام قصة  رومانسية  فالإرهاص الذي بدأ  به الرواي العليم من خلال المونولوج الداخلي كان بمثابة المقدمة التي تجعل المتلقي في شغف ليكمل القراءة

ثم يحدث نفسه قائلًا :

(ها أنت تقف فاغر الفاه ،مشتت الخطى زائغ النظرات …ربما الفرق الوحيد أنهم كانوا يهيمون في صحراء  ليسفيها كوارث ،لا تحدها حدود…)

تتجلى الحالة النفسية للرواي العليم في قوله :(تمضي في الطريق  بنصف وعي ،نصف يقظة ،ونصف حلم ) في رمزية لصعوبة الحياة وعناء الغربة الذي تكبده من أجل تحقيق حلم بناء عش الزوجية لحبيبته .

ويقسو الرواي العليم على نفسه حين يقول :(كيف صدقت الوعد بأنها يمكن أن تنتظرك وكأنما لديها صكًا يمنع غدر الزمن ،أيقنت بعد فوات الآوان أن الجمال تشد إليه الرحال ..) في مونولوج داخلي يلوم الرواي العليم ذاته وكيف أضاع الحاضر حين سافر وراء حلم المستقبل المشرق .

في مشهدية يصف لنا وقوفه أمام الأرض الفضاء يقول :”تنظر إلى تلال  الأتربة  وقطع الحجارة وبقايا العلب المتناثرة ،تطل كم بين الركام أحذية مهترئة وحقائب بالية وبقايا أثاث مهشم ) هذا الوصف  يجعل المتلق يرجع إلى عام 1992 وقت الزلزال الذي أطاح بالمنازل القديمة التي يقطنها بسطاء المصريين  وكان معظم الضحايا من المناطق الشعبية

يزيد من نيرة اللوم  في المونولوج الداخلي حينيخاطب ذاته قائلًا :

_(أنت الملوم  إذ تركتها تنتظر أن يتحقق حلم البيت الواسعوالحديقة الغناء والأطفال بيض الوجوه خضر العيون  كأمهم .

فرحيله لم يكن اختياريًا ، فقد أجبر على الرحيل  لمدة ثلاث سنوات لتحقيق رغبة حبيبته  التي شجعته حسب قوله “شجعتك بضحكة من القلب وبقسم غليظ أن تنتظر أوبتك بشرط أن تعود محملًا بالخيرات ..)

لكن غدرالطبيعةحول منزل حبيبته إلى ركام ووأد حلمه

الشخصيات :

عم حسين /الشيخ صاحب الدكان الصغير الذي سأله في دهشة وكأنما خرج له الرواي العليم من بين الأنقاض

_هل تبحث عن شئ ياولدي ؟

الشيخ الذي فهم من إشارة يد الرواي  العليم  وهويشير إلى كومة التراب  أنه يسأل  عن الزلزال  فأخبره أن  هذا الزلزال  لم ينج  منه سوى الشباب والفتيات والرجال  الأشداء أما العجائز والأطفال قد دفنوا أحياء

سماح / الحبيبة  التى رسم البناء الخارجي لها  حين  تطرق  لحلم  الأبناء بيض الوجوه  ،خضر العيون  كأمهم  ،وحيت  ودعته بقوله  :” شيعتك بابتسامةتها وهي تطالبك  أن تدخركل مايصل إلى يدك من مال حتى يمكنكما إتمام الزواج والابتعاد عن البيت الكئيب والجيران الذين يدسون أنوفهم في كل شئ ولايحترمون خصوصيات الناس

فاستخدام  المبدع  للفعل  شيع  : الذي يدل  على  الوداع ، أو  تشيع  إنسان  إلى  مثواه الأخير  وكأن الغربة  هي  المقبرة  التي  حالت  دونه  ودون  متابعة  أخبار سماح  وامها  .

وتتجلى الرمزية في  قول الراوي العليم :”لم تغب عن ذاكرتك مشاهد المشردين وهم يصطفون أمام مكاتب  الحكومة طلبًا للإيواء  ..)

فهذا المشهد كفيل  بأن يترك في المتلقي أثرًا نفسيًا بحجم الكارثة  وحالة المتضررين  من  هلع  وتشريد  .

 والرمزية أيضًا تتجلى في  الطابق الثالث الذي تسكنه سماح وأمها القعيدة وسؤال الرواي العليم الذكي “فهل تمكنت سماح من حملها لتهبط بها  الطوابق الثلاث قبل أن ينهار البناء بمن فيه ؟”

فانهيار المنزل  وسكن سماح في الطابق الثالث  وسنوات الغياب  ثلاث  سنوات  إشارة  لانهيار  حياة  البطل  بسبب  الغربة

طارق / ابن الجيران الذي يسكن في البيت المقابل والذي يصغرها بثلاث سنوات

الذي كانت تقول له حبيبته عنه إنه مثل أخيها يساعد والدتها  ويحملها لزيارة الطبيب او دخول المستشفى

والمفارقة أن طارق ساكن الطابق الثالث أيضاويصغر سماح بثلاث  سنوات

وتتجلىالمفارقة الدراميةفي السردية من قول الشيخ حسين

أن طارق كتب الله على يديه حياة جديدة لسماح وأمها“تزوجها طارق ورحلوا جميعا عن الحي قبل الزلزال بشهر واحد بعدما انقطعت عنها اخبار خطيبها “

وكأن  الرقم ثلاثة  يترك في نفس المتلقي   الحديث  الشريف

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”آية المنافق ثلاث  إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ”

 

القفلة على لسان  ممدوح  “الراوي  العليم  ” :

“لم تدرك حينها هل دارت رأسك وحدك أم أن توابع الزلزال هي التي حركت الأرض تحت أقدامك”

فالزالزال  هو المعادل  الموضوعي لتصدع العلاقة بين  الشاب  البطل  وحبيبته  وأيضًا  وقع خبر زواجها  من غريمه  كان  كوقع توابع الزلزال التي  قد  تكون  أكثر  حدة  من الزالزل

فالعنوان  هو المعادل  الموضوعي  لحالة التصدع النفسي  والتشظي  الذي  أصاب  البطل  جراء  خيانة  حبيبته للعهد  ، فضلًا عن ذلك  جات اللغة  قوية و لعب الانزياح فيها  دورًا  هامًا مما  جعل  لغة  القصة  أقرب  للغة  الشاعرة  .

فالانساق  المضمرة  في  المتعلقات الثقافية  من القصة هي:

نسق  الاغتراب

ومن الانساق  المضمرة التي  تم الكشف عنها  في هذه  القصة :

الطبقية  والفقر  والعوز  الذي  دفع  البطل  للسفر  والاغتراب  ، وخيانة  البطلة  للعهد  والزواج  من  غريم  حبيبها

ومن الأنساق المضمرة في السردية نسق دالة الزالزال بمفهومها الجيولوجي والنفسي ،ورمز العدد ثلاثة ، ورمزية الأسماء (سماح ) والسماح هو الإذن والموافقة ،والسماح هو مهلة مهلة ممنوحة للوفاءوتكمن المفارقة  في كون أنها  رمز للخديعة  والخيانة ـ طارق  وقد جاءفي السردية  بدلالة اسم الفاعل  من الفعل  طرق  ،والذي يحمل  معنى الداهية  أو المصيبة  أو سارق  حلم   البطل  .

 

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق