مقالات

الإدارة بين الممارسة والمدارسة بقلم الدكتورة هاجرعبد الحكيم

هل تدريس الإدارة أجدى أم التدريب عليها بالممارسة ؟؟؟

سوف أترك لك عزيزي القارئ الحكم بعد قراءة هذه الحكاية.

يقول الإبن عن أبيه :

دائما أبي ينتقدني ويتهمني بالسلبية، يعاتبنى على الصغيرة والكبيرة،فإذا دخل غرفتي ووجد المصباح مضاءً، وأنا خارجها

قال لي: لم لا تطفئ النور وانت خارج، ولم الهدر في المال، أين الإيجابية؟؟؟

وإذا دخل الحمام أو المطبخ ووجد الصنبور يقطر ماءً قال  بعلو صوته لأفراد الأسرة كلها: لم لا تُحكموا غلق الصنبور، ولم كل

هذا الهدر في الماء؟ ورغم أن العتاب لكل الأسرة إلا انني متأكد أنه لا يقصد غيري، ليس هذا فحسب، بل كل شيء فى

غير موضعه أو زائد أو ناقص عن حده فى البيت لا يتركه بدون تصويب ومعاتبة ولوم المتسبب، وكثيرا ما كان المتسبب العبد

لله، حتى أصبح كل لوم فى البيت أشعر انه موجه إلي أنا وحدي.. حتى سيطر فى مخيلتي أن البيت سجن للحريات وأبي

السجان، وأملي فى الإفراج القريب بترك هذا البيت إلى غير رجعة لأرتاح من أبي ونصائحة التى لاتنتهى ولومه الدائم

لي،حتى وهو على فراش المرض !

ملعونة أم الإيجابية.

إلى أن جاء يوم وجدت وظيفة .

اليوم الذي طالما انتظرته.

اليوم سأجري المقابلة الشخصية الأولى في حياتي للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى.

وإن تم قبولي فسأترك هذا البيت إلى غير رجعة وسأرتاح من أبي. استيقظت في الصباح الباكر ولبست أجمل الثياب

وتعطرت وهممت بالخروج

فإذا بيدٍ تربّت على كتفي عند الباب،التفت فوجدت أبي مبتسمًا رغم ذبول عينيه وظهور أعراض المرض جلية على وجهه،

اعطاني بعض النقود، وقال لي أريدك أن تكون إيجابيا واثقا من نفسك ولا تهتز أمام أي سؤال.

تقبلت النصيحة على مضض وابتسمت، وأنا أتأفّف من داخلي، حتى في هذه اللحظات لا يكف عن النصائح وكأنه يتعمد

تعكير مزاجي في أسعد لحظات حياتي.

خرجت من البيت مسرعًا واستأجرت سيارة أجرة وتوجهت إلى الشركة.

وما أن وصلت ودخلت من بوابة الشركة حتى تعجبت كل العجب !

فلم يكن هناك حراس عند الباب ولا موظف استقبال سوى لوحات إرشادية تقود إلى مكان المقابلة.

وبمجرد أن دخلت من الباب لاحظت أن مقبض الباب قد خرج من مكانه وأصبح عرضة للكسر إن اصطدم به أحد.

فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بأن أكون إيجابيا، فقمت على الفور برد مقبض الباب إلى مكانه وأحكمته جيدا.

ثم تتبعت اللوحات الإرشادية ومررت بحديقة الشركة فوجدت الممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من أحد الأحواض الذي

امتلأ بالماء الى آخره.

وقد بدا أن البستاني قد انشغل عنه فتذكرت تعنيف أبي لي على هدر المياه فقمت بسحب خرطوم المياه من الحوض

الممتلئ ووضعته في حوض آخر مع تقليل ضخ الصنبور حتى لا يمتلئ بسرعة إلى حين عودة البستاني.

ثم دخلت مبنى الشركة متتبعا اللوحات وخلال صعودي على الدرج لاحظت الكم الهائل من مصابيح الإنارة المضاءة ونحن في

وضح النهار فقمت لا إراديا بإطفائها خوفا من صراخ أبي الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبت.

إلى أن وصلت إلى الدور العلوي ففوجئت بالعدد الكبير من المتقدمين لهذه الوظيفة قمت بتسجيل اسمي في قائمة

المتقدمين وجلست انتظر دوري وأنا أتمعن في وجوه الحاضرين وملابسهم لدرجة جعلتني أشعر بالدونية من ملابسي

وهيئتي أمام ما رأيته. والبعض يتباهى بشهاداته الحاصل عليها من الجامعات الأمريكية .

ثم لاحظت أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث إلا أن يخرج في أقل من دقيقة.

فقلت في نفسي إن كان هؤلاء بأناقتهم وشهاداتهم قد رُفضوا فهل سأقبل أنا ؟؟!!

فهممت بالانسحاب والخروج من هذه المنافسة الخاسرة بكرامتي قبل أن يقال لي نعتذر لك.

وبالفعل انتفضت من مكاني وهممت بالخروج..فإذا بالموظف ينادي على اسمي للدخول.

فقلت لا مناص سأدخل وأمري إلى الله دخلت غرفة المقابلة وجلست على الكرسي في مقابل ثلاثة
أشخاص نظروا إليّ

وابتسموا ابتسامة عريضة ثم قال أحدهم متى تحب أن تستلّم الوظيفة ؟؟؟!!!

فذهلت لوهلة وظننت أنهم يسخرون مني أو أنه أحد أسئلة المقابلة ووراء هذا السؤال ما وراءه.

فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بألا أهتز وأن أكون واثقا من نفسي.

فأجبتهم بكل ثقة: بعد أن أجتاز الاختبار بنجاح إن شاء الله.

فقال آخر لقد نجحت في الامتحان وانتهى الأمر.

فقلت ولكن أحدا منكم لم يسألني سؤالا واحدا !!!

فقال الثالث نحن ندرك جيدا أنه من خلال طرح الأسئلة فقط لن نستطيع تقييم مهارات أي من المتقدمين

ولذا قررنا أن يكون تقييمنا للشخص عمليا …فصممنا مجموعة اختبارات عملية

تكشف لنا سلوك المتقدم ومدى الإيجابية التي يتمتع بها ومدى حرصه على مقدرات الشركة،

فكنت أنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريق كل متقدم،

وقد تم توثيق ذلك من خلال كاميرات مراقبة وضعت في كل أروقة الشركة.

حينها فقط اختفت كل الوجوه أمام عيني ونسيت الوظيفة والمقابلة وكل شيء، ولم أعد أرى إلا صورة أبي،
ذلك الباب الكبير

الذي ظاهره القسوة ولكن باطنه الرحمة والمودة والحب والحنان والطمأنينة شعرت برغبة جامحة في العودة إلى البيت…..

وخوفا من الملل والإطالة عزيزي القاريء الكريم، سوف اكمل باقى الحكاية فى المقال القادم بإذن الله تعالى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى