مقالات

  “الثقـــــافــة بيْن الآني والمُتَمَنّى”:  1- 4 ..  بقلم : د. فايزة حلمي   

 

(1)       تعريف الثقافة:

        يُمْكِن تعريف الثقافة على أنها مجموعة مترابطة, من القيم، الأدوات،  والممارسات, المشتركة بين مجموعة من الأشخاص الذين لديهم هَويّة إجتماعية مُشتركة,  ببساطة أكثر ، الثقافة هي مجموع وِجهات نظرنا حَوْل العاَلَم, أو طرق حياتنا, ووجهات نظرنا الثقافيّة,  وتُؤثّر علي العمليات النفسيّة ، بما في ذلك الإدراك الحِسّي والمعرفي والشخصي والعمليات الإجتماعية, ولكن يُعتقد أنها تؤثر بشكل أكبر على العمليات النفسية الإجتماعية.

الخلفية وتاريخ بحوث الثقافة:

         في معظم القرن العشرين ، لم يكن هناك الكثير من الأبحاث والنشر حول موضوع الثقافة والسلوك في الأدب النفسي العام,  وبعض من أبرز الإستثناءات نراها في أعمال فيلهلم فوندت Wilhelm Wundt””، ليف فيجوتسكي” Lev Vygotsky”، وفريدريك بارتليت”Frederic Bartlett”,  وأحد النتائج المؤثرة على الآثار الثقافية قام بها مارشال سيغال في الستينيات ، حيث وجد مع زملائه أن الأفارقة والغربيين يختلفون في قابليتهم لأوهام بصرية معينة ، نظريا بسبب تعرضهم  لبيئات مبنية وآفاق واسعة مختلفة, وبصرف النظر عن حالات البحث المعزولة هذه ، فإن الكثير من الدراسات الأكاديمية المبكرة للآثار السلوكية للثقافة يمكن إستخلاصها من عمل علماء الأنثروبولوجيا الإجتماعية.

        منذ عام 1970 ، أوْلَى عُلماء النفس الإجتماعي إهتمامًا كبيرًا لتأثير الثقافة على السلوك, ويُعْزى هذا جزئياً إلى زيادة مستوى التفاعل بين الثقافات والتحديات المرتبطة بها,  والتي حدثت مع التوسّع السريع في الإتصالات العالمية والإقتصاديّات والهجرة,  كما ساهم التقدم في النظرية النفسية الإجتماعية,  ومنهجية البحث, في زيادة الإهتمام بدراسة الثقافة,  ونتيجة لذلك ، إزدادت المعرفة بالثقافة والسلوك بشكل ملحوظ في النصف الثاني من القرن العشرين، من خلال عَمل علماء النفس الإجتماعيين أمثال: هاري تراندس Harry Triandis، وجيرت هوفستد Geert Hofstede، وهيزل ماركوس Hazel Markus، وغيرهم.

النهج الحالية والمعرفة:

 العديد من علماء النفس الإجتماعيين المعاصرين,  الذين يحققون في آثار الثقافة, يفعلون ذلك من خلال مقارنة الثقافات الوطنية لتحديد أنماط السلوك العالمية والثقافية الخاصة, ويتم إجراء البحوث عَبْر الثقافات, في المقام الأول مِن مَنظور إجتماعي, ويركز على القِيم الثقافية والمعتقدات والمواقف, أو المعرفة الثقافية التي تميز سلوك الأشخاص ذوي الخلفيات المختلفة.

      وإحدى الأدوات البارزة التي يستخدمها الباحثون عَبر الثقافات, هي تصنيف الدوَل مِن خلال دَعْمها النسبي للفردية أو الجماعية, حيث الفردية هي مجموعة من القيم والمعتقدات والمواقف التي تؤكد على أهمية إتّباع الأشخاص لأهدافهم وسلوكهم الفردي, في حِين تتجلى الجماعية في القيم والمعتقدات والمواقف التي تشدد على أهمية الأشخاص الذين يتّبعون أهداف المجموعة ومعايير المجموعة للسلوك, وأظهرت الأبحاث أن ثقافات أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا هي فردية نسبياً ، في حين أن الثقافات اليابانية والصينية هي جماعية نسبياً.

       تشجع الثقافات الفردية والجماعية, الناس على تبني مجموعة معينة من القيم والمعتقدات والمفاهيم المرتبطة بالذات والمجموعة, فالشخص الذي يتعرض لثقافة فردية يُرجح أنّه يقدّر الإستقلالية الشخصية ، وحرية التعبير ، وتعزيز الذات أكثر مما هو شخص من ثقافة جماعية ، الذين من المرجح أن يكونوا أكثر ميلا إلى تقييم الطاعة والتقاليد وتعزيز الجماعة, بالإضافة إلى ذلك ، تشجع الثقافات الفردية الناس على تبني وجهة نظر ذاتية مستقلة أو تمييز الذات عن الآخرين، في حين ينظر الناس في الثقافات الجماعية إلى أنفسهم على أنهم أكثر ترابطًا أو مرتبطين بالآخرين, ونتيجة لذلك ، يُنظر إلى الفرد والمجموعة كعامل أكثر بروزًا في السلوك في الثقافات الفردية والجماعية ، على التوالي.

        والتمييز بين الثقافات الفردية والجماعية يساعد على شرح مجموعة من السلوكيات, وقد أظهرت الأبحاث أن سكان أمريكا الشمالية ينسبون السلوك إلى الإرادة الفردية أو التصرفات الداخلية, من جهة أخرى ، ينسب الصينيون السلوك إلى تأثير المجموعات المرجعية الأولية للشخص أو عوامل أخرى خارجية ، مثل التأثيرات الظرفية, وقد تبين أيضا أن تفضيل الحفاظ على أنماط التواصل بين الأفراد وداخل الجماعة متناغم هو أقوى بكثير في الثقافات الجماعية من الفردية, وتتجلى الفردية والجماعية حتى في الممارسات اللغوية مع الغربيين الأكثر عُرْضة لإستخدام ضمائر الشخص الأول (على سبيل المثال، أنا) من الناس, أكثرمن الثقافات الجماعية.

      ويُعتَقد أن المعرفة الثقافية قد تطورت لتلبية مجموعة من الإحتياجات العاطفية الإجتماعية الأساسية, فهي على أحد المستويات ، تَعطي القيم والممارسات الثقافية, النظام والبنية للعالَم الإجتماعي ، سواء كان ذلك بالنسبة للدول أو المجتمعات أو المجموعات, وعلى مستوى آخر ، تستوفي الثقافة الحاجة العاطفية الفردية للإنتماء، والحاجة إلى هدف ومعنى الوجود, ويُبرِز العمل الأخير الذي قام به جيف غرينبرغ “Jeff Greenberg”وزملاؤه, أن وجهات النظر الثقافية العالمية تلبي الحاجة إلى إحترام الذات: إن الثقة بالنفس مشتقة من رؤيتنا لأداء سلوكيات ذات قيمة ثقافية ناجحة.

 

المرجع:

–           Psychology.(2018): cultural psychology. iresearchnet.com

 

كاتب المقال : مستشار نفسي وكاتبة /مصر

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق