مقالات

“الثقـــــافــة بَيْن الآني والمُتَمَنّى” (4-4) .. بقلم : د. فايزة حلمي     

(4) الثقافة النفسيّة:

            أحاول أن ألقي شعلة بالأفق, لعلّها تُضيء بنجماتها القليلة, بما نأمله كمستقبل أفضل لواقعنا.

     نأمل في تواجد إتاحة للثقافة النفسية بين أفراد المجتمع, بإعتبار الثقافة بوجة عام مِن الموجّهات السلوكيّة لكل الفئات المجتمعيّة, هي البوصلة التي تُدير دفّة  الوعي الجَمْعي,  وإعتبار الثقافة النفسيّة بوجه خاص مِن مُوُقظات الإدراك, ومُحرّكات السلوك, ومِن مُذيبات الجلطات الوريديّة بمسارات العلاقات بين البشر على إختلافها, سواء الوثائقيّة أو الوجدانيّة أو الإجتماعيّة.

      والثقافة النفسيّة  ليست رفاهيّة مجتمعيّة ولا تَرَفا مظهريّا, بل أضْحَت مِن الضرورات,  والنظريّات النفسيّة خير دليل على تصويب الكثير مِن المواقف التي تُمثّل معاول هَدْم لكثير مِن الأبنية الإنسانية على إختلاف تصاميمها, مثل نظرية الثلاثي المعرفي للعالِم”بِيك”, التي تستهدف تغيير التفكير الإنساني , مِمّا يُساهِم في تغيير مشاعره , وبالتالي يتبعهما  تغيير سلوكه, وهذه النظرية, تساندها نظرية “معرفة مُنْطَلق سلوك الآخرين” للعالِم ” دانيال جولمان”, التي تغيّر وجهة نظر الفرد في الإتّجاه المُعاكِس, بِما يدير دفّة تفكيره ومشاعره وبالتالي سلوكه, مِن هنا كانت ضرورة وجود علم النفس الثقافي.

عِلم النفس الثقافي: (بإعتباره..الواقع .. المأمول إضاءته.. لأهمّيّتِه)

      لقد إستطاعت البحوث النفسية للثقافة خلال العقدين الأخيرين ، تقديم أدلة تجريبية وافرة لِفكرة أن الثقافة هي جزء لا يتجزأ من التجارب البشرية ، وبالتالي ، عنصر مركزي يجب مراعاته في فهم السلوكيات البشرية, و”عِلم النفس الثقافي” يهدف إلى توفير وسيلة لتنظيم مفاهيمي, وفي الوقت نفسه,  النظر في جوانب عديدة ومختلفة من حياة البشر, وعلى الرغم من النموذج البحثي المُهَيمن, الذي يَدْرس عمليات الثقافة التي تؤثر على النفس في علم النفس الثقافي ، فإن بعض الدراسات البارزة قدمت أيضًا النصف الآخر مِن السؤال حول: كيفية تأثير النفس البشرية على الثقافة.

       والإفتراض الأساسي لعلم النفس الثقافي هو أنه, لا يمكن أن توجد نفسية مستقلة عن سياقاتها الإجتماعية والثقافية ، وبالتالي ، يجب  دراسة الأعمال البشرية في السياقات التي تجري فيها, لفهم التأثير المُتَبادَل بين النفسية والسياقات الثقافية, حيث تُعْتَبر النفس البشرية مُنتِجَا ومُنتَجَا للثقافة.

      وهذه الدراسات هدفت للتحقّق مِن كيفية أن المُنتجات الثقافية, وهي موضوعات ملموسة ينتجها أفراد من ثقافة محددة, تنشأ عن التآزر بين أهداف الأفراد، وتعْكِس القِيم والمعايير الثقافية داخل مجتمعهم، كيف تُصَوّر نَفسِية الإنسان كمُنتَج للواقع الثقافي ، تشير نتائج البحوث إلى أن هذه المنتجات الثقافية تعكس القِيم الثقافية والمعايير والإعتيادات النفسية لمبدعيها, (تميل محتويات المنتجات الثقافية التي يتم إنشاؤها في الثقافات الغربية إلى أن تَكوُن أكثر فردية ، وتقدير الإستقلالية ، والتفرّد ، والتأثير الإيجابي العالي الكثافة), وتسَهّل فَهْم مجموعة واسعة من الظواهر النفسية ، لتسمح لعلماء النفس الثقافي,  ببدء فهم التفاعل بين الثقافة والعقول البشرية بطرق منهجية, بِما يدفعهم لتوليد نظريات جديدة من منظور نفسي ثقافي.

       لذا .. خلال العقود القليلة الماضية, قام علم النفس الثقافي بمجموعة رائعة من الإكتشافات التي تُبيّن أن البَشَر نتاج الثقافة,  هَمّ بدُوُرِهم, مُبدعون للثقافة, وهذه الجهود مجتمعة تؤكّد, أهمية وضع سياق النفس البشرية, ضمن الدورة المستمرة للجهود المُشكَّلة ثقافياً.

المسئولية الإجتماعية والتأثيرية للمُثقفين المُعاصرين:

         مِن هنا نرى أن دور المثقفين في المجتمع هو موضوع مُعقد, بالنَظر لِما يُمْكن أن يُحدثوه، لا سيما في الأوقات السريعة التغيّر اليوم.

        فالمثقفون.. هم أولئك الذين لديهم حِكْمة وبَصِيرة متنوّعة ، يطبّقون فكرهم ورؤاهم المستقبلية لغرض إيقاظ المجتمع,  للمُساعدة على تحويل الجماهير مِن ما هو غَيْر حَكِيم, إلى ما هو صالح.

     وهناك ثلاثة عوامل رئيسية في المُثقفين: المعرفة, والرغبة في إيقاظ المجتمع ؛ والقيام بذلك من أجل قضية أو غرض نبيل, وعدم وجود أي من هذه العناصر, لا يتفق مع تعريف ” مُثقّف”.

    إننّا هنا نناقش المسؤولية الإجتماعية للمُثقفين.

           لذا نجد قدرًا كبيرًا من الحقيقة في كلمات أينشتاين: “إن العالَم مكان خطير ، ليس بسبب أولئك الذين يفعلون الشّر ، ولكن بسبب أولئك الذين ينظرون إليه ولا يفعلون شيئًا”, إن الشخص الذي يمتلك قدرات ومعرفة,  يتحمل هذا النوع من المسؤولية, يحتاج المثقفون إلى إستخدام قدرتهم,  على المساهمة في توجيه المجتمع بعيداً عن النتائج المؤثرة سلباً والتي يتوقعونها ، وليس فقط فيما يتعلق بالجهود الماضية الموجهة نحو سوء الإدارة ، بل أيضًا في الجهود غير الملائِمة الحالية والمستقبلية, والتواصل الجيد أمر حيوي إذا أراد المثقف أن ينجح في نقل رؤيته بشكل فعّال ومُقنع، وتطبيق معارفه على تشكيل المعايير والقيم الاجتماعية وحمايتها.

        ويُدرك المثقفون الحقيقيون أنهم ، مثل أي شخص آخر ، لديهم بُقع عمياء ، ويجب أن يكونوا مستعدين للبقاء منفتحين, لذلك ، بالإضافة إلى مسؤوليتهم عن إيقاظ المجتمع ، يجب عليهم أيضًا أن يكونوا على وَعْي دائم بأوْجه القصور الخاصة بهم ، والتي قد تلحق الضرر بالمجتمع.

   والمُثقفون هم أهم عوامل التغيير ، ولا سيما في تلك الأجزاء من العالم حيث يكون السلوك الظالم والشرير هو القاعدة, وبطرقهم الخاصة ، يقدمون مساهمات فعّالة لتحسين المجتمع بِطُرق هادفة.

 وفي كتاب توماس سويل ” ا “Thomas Sowell عن تأثير المُثقفين المعاصرين, نجد أن تأثيرهم, ليس فقط أكبر مما كان عليه في العصور السابقة ، ولكنه أيضًا يتخذ شكلاً مُختلفًا تمامًا عن ذلك الذي كان يتخيله هؤلاء الأشخاص, لم يكن من خلال تشكيل الآراء أو توجيه أعمال حائزي السلطة,  إن أكثر المثقفين الحديثين

وفي كتاب توماس سويل ” ا “Thomas Sowell عن تأثير المُثقفين المعاصرين, نجد أن تأثيرهم, ليس فقط أكبر مما كان عليه في العصور السابقة ، ولكنه أيضًا يتخذ شكلاً مُختلفًا تمامًا عن ذلك الذي كان يتخيله هؤلاء الأشخاص, لم يكن من خلال تشكيل الآراء أو توجيه أعمال حائزي السلطة,  إن أكثر المثقفين الحديثين أثروا في مَسار الأحداث ، ولكن من خلال تشكيل الرأي العام بطرق تؤثر على تصرفات أصحاب السلطة في المجتمعات الديمقراطية ، سواء كان أصحاب السلطة يقبلون أو يرفضون, الرؤية العامة أو السياسات الخاصة التي يفضلها المثقفون, حتى القادة الحكوميين غَيْر المتوافقين مع المثقفين ، إضطروا إلى الإنحناء لِمناخ الرأي الذي شَكّله هؤلاء المثقفون.

 

المَرجع:

–           Kimin Eom &Heejung S. Kim.(2014): Cultural Psychological Theory. psych.ucsb.edu

–           Gian Tu Trung.(2013): what is the role of intellectuals in society. .weforum.org

–           Thomas Sowell.(2018): Intellectuals and Society. amazon.com

*****************************

                كاتب المقال :

       مستشار نفسي وكاتبة /مصر                                           

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.