مقالات

“الحدس والبرهان” فى قصة العالم الهندى رامانوجان .. بقلم : د. مصطفى عابد

 

   هما صنوان – وان كانا يتعارضان – فى امكانية ومنهجية تقديم المعرفة !!  فالحدس تنبؤ بالحقائق أو قل تنبه لها  لايعتمد على الأدلة والبراهين ، وهومنكور فى القضايا العلمية البحتة التى تعتمد على الأدلة فقط فى ثبوت الحقائق العلمية أو نتائجها.. ومايقف العلم عاجزا عن تفسيره يرفض فى شأنه أى تخمين أو تنبؤ أو كهنوت .. لكنه (أى  الحــدس) ليــس كــذلك –  كمــا ســيتضح !!

   فى الواقع لم تكن الفكرة المطروحة ” الحدس والبرهان ” فى حد ذاتها احدى اشكاليات عالم الرياضيات الهندى ” رامانوجان” بل هو أحد اشكاليتها – فى هذا الطرح بالأقل . فهو ليس فيلسوفا .. وانما كان “رياضياتيا ” حتى النخاع !!  يكاد لايعير اهتماما أو حتى يشعر باشكالية أخرى فى حياته سوى التأمل فى المعادلات الرياضية وحل ألغازها وفك طلاسمهــا ، وكــذا.. ابتكـــار ألغــاز أخــرى وصــيغ جــديدة لهـــا .

  لكن مسيرته العلمية عرجت به عليهما – أى الحدس والبرهان – فاتصلت واتصفت بأحدهما وهو(الحدس) وارتطمت وتصادمت مع الآخر وهو (البرهان) وان وجدت عونا من الأخير وتعاونت معه فى النهاية ، كمــا ســيجئ .   فالعالِــم هــنا أطــروحة الفكــرة وليــس العكــــس !!

  فى البداية ثارت الشكوك حول مدى صحة وجدة أو حتى جدية الأعمال التى كان يقوم “رامانوجان” بارسالها الى الجهات العلمية .. ولعل  مرجع ذلك  أنه لم يكن لديه هوية علمية محددة  كشهادة أو شهرة علمية أو ثمة أعمال منشورة و مشهورة ) تحمل على الاعتقاد على ذلك ..

  خاصة وأن “رامانوجان” كان يفتقد فى بداياته القدرة على تقديم البرهان أو الدليل على صحة المعادلات التى يقوم بصياغتها ..  لكن فى الوقت نفسه ، فان أهل البرهان من العلماء بدورهم كانوا عاجزين عن نفى صحة معالجات و معادلات “رامانوجان” الحدســية !!

  وهكذا.. دوما تظل الاضافات العلمية معلق ميصيرها على موقف الأدلة العلمية منها اعترافا بها أو انكارا لها لاعلان ثبوت صحتها أو خطئها – حسب  الأحوال –  فلايـكفى الحــدس اذن .. بــل يلــزم تقديم البرهـــان .

 فى هذا الطرح .. قد أخترتُ نموذجين لعالمين جمعت بينهما الرغبة فى المعرفة ،  فقدما الى البشرية – الأول بقدرته على التخيل والحدس والثانى بخبرته فى التحليل والبرهان – العديد من النظريات والاحداسيات فى علم الرياضة البحتة ، على الرغم من التضاد بينهما سواء فى المنهج المعرفى المتبع أو المنهل أيضا !!  الا أنه سيبدو لنا فيما بعد اختلاف تنوع وليس  تضادا ،  كتجاذب يؤدى الى شدة التماسك  .. هذان هما العالمـان ” رامانوجــان ” و “هــايدى” رمزا الحدس والبرهان .

    ولولا الحدس ماكان البرهان .. ولولا البرهان ماأُعتُرِف بحدس وتعطلت كثير من النظريات العلمية وظلت حبيسة بين أدراج مكاتب العلماء .

  • ولكن من هو“رامانوجان” ؟ وماعلاقته بالفكرة المطروحة “الحدس والبرهان“؟!!

  هو عالم الرياضيات الهندى  Srinivasa Ramanujan  سري‌نيڤاسا رامانوجان  ولُد فى 22 دسمبرعام 1887 (بمدينة ” أرودة “) .. وقد توفى فى 26   ابريل عام 1920 أى عن عمر يناهز اثنين  وثلاثين عاما وأربعة أشهر وبضعة أيام ، حقق خلالها انجازات هامة فى علم الرياضيات ، وقد أُتُخذ من  يــوم مـيـلاده عـيـدا قوميا فـى وطنه “الـهنـد” .

  كان ذا قدرة ذهنية فائقة فى مادة “الرياضيات” تُجاوز مرحلته العمرية والدراسية الأولى ، مما دعا معلميه الى اعطائه كتبا متقدمة فى حساب المثلثات  قيل أنه استوعبها فى الثانية عشر من عمره .. حتى أنه  اكتشف مبرهنات جديدة !!  لكن يبدو ان قوة ملاحظته وكثرة  تساؤلاته واستعراض خواطره فيما كان يدرسه كان غير مرحب به عند  البعــض الآخــر من أســاتذته بــل كان يثــير حفيظــة هــؤلاء !!

  واذ يُذكر على سبيل المثال أنه “عندما كان أحد رفاقه بالصف يشرح أن نتيجة قسمة أي عدد على نفسه هي واحد عقب رامانجن بالتساؤل إذا ما كان ذلك ينطبق على الصفر”.

  لم يكن “رامانوجان ” وعاء أوغطاء يحفظ تلقينا لمعلومات يختزنها ثم يقوم باستدعائها حين طلبها(فى الاختبارات) .. بل كان مثل معالج معلوماتى يحوِّل ما يستقبله من معلومات الى نتائج جديدة بعد الربط المنطقى بينها – كما فى الحواسيب – ولعل هذا يفسر فى نظرى الحلول البديلة والصياغات المبتكرة للمعادلات الرياضية التى أشتهر بها  .  لكن معالجنا البشرى ينتج ابداعا يفوق السقف المحدد  لبرامج الحـاســوب  – هــذا هــو الانسـان .. هذا هو العالم “رامانوجان”.

  وكان ولعه بمادة الرياضيات عارما واهتمامه بها مفرطا .. ولكن .. جاء ذلك  على  حساب تحصيل العلوم الدراسية الأخرى التى لم يكن لها فى دائرة اهتمام “رامانوجان” أواستثارة ملكاته أدنى نصيب  .. محصلة ذلك اذن هو الرسوب المتكرر .. وفى النهاية عدم الحصول على شهادته الدراسية لتتوقف مسيرته العلمية ” النظامية “.. ليستقــر به الحال (مؤقتا) الى العمل كموظف بأحد الموانى الهنديــة “ميـدراس” !!

  الا أن .. شغفه بالمعادلات الرياضياتية  ظَّـــلّ يلاحقه ، بل كان  ظِّلّا له  يطارده – فلم يفـتر لديــه طلـب المعرفة قَـط .. ولارغبته فى تقديـم  ذاته “المعرفية ” ، بل ازاداد الأمر فيه توهجا ..  نعم !!   كان هذا حال “رامانوجان” ..  ولعل خير شاهد على  ذلك تلكم الأعمال الهامة التى قام بانجازها ومحاولات التواصل بشأنها مع الجامعات الأجنبية على أمـل تقديــم ذاتــه “المعـرفـية “أو الاعلان عنها من خلال نشـر أبحـاثه.

   وان كان ينقص الهامات ” رامانوجان ” وحدسه  قدرة أخرى هى تقديم البرهان أواخراج ذلك البرهان الكامن داخله .. فقد كان مستورا عنه (وقتــذاك) !!   وتلكم احدى اشكاليات الحدس التى  سنتناولها من خلال الجزء الثانى من هذا المقال بمشيئة الله .   

 وعلى أية حال .. فقد أسفرت أحد وأهم محاولات “رامانوجان” عن توجيه الدعوة اليه  من أحد رموز الجامعة الملكية “البريطانية” وهو العالم الرياضياتى “هاردى”  كما سيجئ .

  ومن كلمات رامانوجان العميقة التى تعبر عن فلسفته الخاصة فى معنى المعادلات ، مانقله عنه أحد الكتاب من أن :  “المعادلة بالنسبة لي ليس لها معنى إلا إذا كانت تعبر عن فكر الطبيعة “ .

  ولم تك الألغاز الرياضية التى قام “رامانوجان ” بحل طلاسمها – بالنسبة للمعادلات المطروحة سابقا – أو تلك التى ابتكرها هو اضافة الى الألغاز والمعادلات  الرياضية ،  مجرد أعمال ذهنية رياضياتية تجد قيمتها فى تصميمها وصياغة رموزها وتحديد نتائجها الرقمية – فحسب ، وانما  كانت بمثابة قواعد وأسسس أقيمت عليها نظريات علمية رياضية امتدت الى فروع علمية أخرى قد ارتبطت بها وأفادت منها ، ثم تحولت فى النهاية الى تطبيقات عملية .

  ولعل هذا ماأكده البعض فى بيان أكثر تحديدا : ” لا نعجب ان أمضى العلماء عقوداً من الزمان في إثبات فرضية حسابية وذلك لاهميتها البالغة في حل تطبيقات معقدة كالرحلات الجوية المتعاقبة والتوصيلات في لوحة الكترونية  بحيث  لا يحدث تماس والامثال هنا مثيرة وكثيرة …”.

(أربعون سنة من الغموض الرياضي  وأربعة اجيال من محاولة الحل –  Ben Brumfield |  MAY 25, 2016 • ATLANTA, GA   ترجمة ابو طه عدنان احمد الحاجي  .على الرابط http://adnan-alhajji.blogspot.com/2016/05/blog-post30.html)

 

(الطـرف الآخـر للحـوار .. العالم هاردى !!)

– أما الطرف الثانى للحوار هو “كدفرى هارولد هاردى” G.H.HARDy عالم رياضياتى بريطانى أشتهر بنظرية الأعداد والتحليل الرياضى ، يعمل استاذا بجامعة كامبردج بانجلترا  ، كما أنه عضو بكيانات علمية متعددة هامة ، حيث كان عضوا فى الجمعية الملكية،  والأكاديمية الألمانية للعلوم ليوبولدينا،  والأكاديمية الملكية السويدية للعلوم،  والأكاديمية الفرنسية للعلوم،  والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم،  والأكاديمية الروسية للعلوم،  والأكاديمية البروسية للعلوم .

(Hardy, G. H. (1940). A Mathematician’s Apology. Cambridge: University Press. ISBN 978-0-521-42706-7 (2004 reissue). Check |isbn= value: invalid character (help).    Hardy, G. H. (1940) Ramanujan, Cambridge University Press: London (1940). Ams Chelsea Pub. (25 November 1999) ISBN 0-8218-2023-0 .    )https://www.marefa.org/گدفري_هارولد_هاردي )

   وبين الطامح المغمور”رامانوجان” والعالم المذكور “هاردى” لم تكن  ثمة علاقة – حتى عام 1913 – حيث تلقّى”هاردى” رسالة “رامانوجان” من صفحات حَوت عددا هائلا من معادلات ونظريات فى علم الرياضيات – قيل أنها مائة وعشرون !!   لم يتوقع “هاردى” أهميتها أو حتى جديتها فى البداية ، الا أن بعدما أعاد النظر فيها    مرة أخرى وتقييمها بمعاونة أحد الأستاذة المساعدين ،  قد توصلا بعد بضع ساعات من التدقيق الى أن مضمون الرسالة يجب أن يكون صحيحا ، لانه و بكل بساطة لا يوجد شخص لديه كل هذا الخيال ليوجد كل ذالك الكم من النظريات التي تبدوا صحيحة.

(المجلة الألمانية Geo Special عدد 2004/05 – مشار اليها بمقال عن سري‌نيڤاسا رامانوجان على الموقع الالكترونى للمعرفة : https://www.marefa.org/سري‌نيڤاسا_رامانوجان#cite_ref-1)

 وقد أثبتت السنون والأيام صحة حدس رامانوجان وصحة أعماله ونتائجه التى انتهى اليها ، بل ثبت صحة حدس رجل البرهان “العالم هاردى” فى استشعاره بجدية وقيمة أعمال  رامانوجان .. وهو ماعبر عنه أحد الكتاب بأن :-       

مهارة رامانوجان شهد بها عالم الرياضيات الإنگليزي ج.هـ. هاردي فوضعه في مصاف علماء الرياضيات الأسطوريين أمثال اويلر، گاوس، نيوتن وأرخميدس “.

 ( C.P. Snow Foreword to “A Mathematician’s Apology” by G.H. Hardy مشار اليه بالموقع السابق)

االوساطة العلمية والوصافة الأخلاقية

  دروس هى وعبر من دعوة هاردى الى رامانوجان الذى لايحمل أى تعريف دراسى له )هوية علمية – مدرسية أو جامعية) وان دل عمله أنه ينتمى الى العلم بغير وسائط أو وثائق دراسية – كما ذكر .  

  ولاشك أن  استقدام رامانوجان الى الجامعة البريطانية ورعاية العالم “هاردى” له ومراجعة مسوداته واعانته على تجاوز حواجز اليأس من الاخفاق تارة ومن المرض تارة أخرى الذى دفعه الى محاولة الانتحار!!  انما يجسد صورة رائعة لأخلاقيات المهنة فى أرقى صورها ، ويعد نموذجا للدور المثالى  للمؤسسات العلمية والعلماء . 

  فلم تك مسؤولية العالم “هاردى” – الذى قدر له أن يذكر على شرف رامانوجان” –  منحسرة داخل أسوار الجامعة التى يعمل لديها ، ولم تكن محصورة فى الطلاب المنسبين اليها فحسب ، بل جاوزت هذه الأسوار الى خارج حدود الوطن بل والقارة أيضا .. بل لنق أنها قد تجاوزت كل صور العنصرية والحواجز السياسية !!   فالعالم “هاردى” كان انجليزيا/ أوربيا أما “رامانوجان” فهو هندى / أسيوى ، ويذكر آنذاك أن الهند كانت احدى المستعمرات البريطانية.  ولكن الوطن الذى كان يحتضن الجميع هو دولة العلم !!! 

  تأمل أيضا أن يرضى من هو ذو مكانة علمية متميزة وسلطة وظيفية أكاديمية بارزة (العالم هاردى) أن يكون وصيفا لحاضر دونه !!   (رامانوجان) .. مهما كان المستقبل الذى ينتظره .  هكذا تبنى العالم المشهور الشاب الهندى المغمورالى أن تحقق ونجاحه ، ثم أستتر خلفه أو فعل به التاريخ ذلك ، فأصبح يذكر على شرفه ، ولم يذكر للرجل أن تذمَّر من ذلك .  لكن لم لا ؟  ألم تستتر الشمس وتختبئ خلف القمر !!  سبحان الله .

هنا درس عملى  ونموذج يحتذى به يجب أن يدرج ضمن دروس ومناهج وشروح أخلاقيات المهنة  .

 (رحلة مارانوجان)

  فى الحقيقة هناك أكثر من رحلة هامة وحاسمة فى حياة رامانوجان ، فقد كانت رحلته الشهيرة الى انجلترا مسبوقة برحلة أخرى ” معنوية ” لاتقل أهمية هى انتقاله من التعليم النظامى – بعد اقصائه عنه – الى مصدر آخر من مصادر التعليم وهى “التعلم الذاتى” الذى حدد فيه  هو منهجه الذى يتناسب مع اختياراته (تخصصه) فى علم الرياضيات وكذا قدراته .

  ومن يدرى لعله لو لم يمر بهذا التحول ماصار الرجل الذى يعرفه  العــالم  The Man Who Knew Infinityأو الرجـل الــذى عــرف اللانهايــة – كما يطلق عليه البعض – للتعبير عن المتواليات العددية التى ابتكرها .

   كان رامانوجان صورة رائعة ونموذجا فريدا من نماذج التعلم الذاتى  ” self-study” أو ” self-learning” الذى كثيرا مايوصى به فى التوصيات والمنشورات والمحافل العلمية .. لكن شتان بين ذلك ، وبين أن يكون ذلك ناتجا عن قوة الدفع الذاتى الذى يعكس الرغبة العارمة فى المعرفة أو لاثبات الذات والتعبير عن القدرة والطاقة المتأججة التى يرغب من ابتلى بها فى التعبير عنها.

  ويمكننا – وان كنا غير متخصصين فى علم الرياضيات – أن نتابع ابداعات “رامانوجان” من خلال الملاحظة البصرية والذهنية ، مع استدعاء بعض الأسس الأولية لعلم الرياضيات خاصة “الجبر”  التى لاتزال عالقة بأذهاننا منذ مراحل التعليم الأولى ، حتى لانحرم أنفسنا من الاستمتاع  والاحساس بواحدة  على الأقل من الصياغات العبقرية لمعادلات هذا العَاِلم ،   مَـَثل ذلـك.. المشـهـد التالى فــى المعــادلة الآتية :-

  دعونا نراقب الطرف الأيسر للمعادلة ونلاحظ الكسور المضافة بعد الواحد الصحيح ، وخاصة مقامات هذه الكسور ، ومابينها من ترابط تصاعدى بأجزاء وحدات منتظمة (متوالية) فى منتهى الدقة تتجه نحو الحد الافتراضى الأخير المكسور مقامه – اذا صح التعبير – أو المنقسم الى كسور متعددة .. وكفانا أن نقف عند هذا لكوننا غير متخصصين ، ولانقدر على التعمق ذلك أو بلوغ منتهاه ، ولكننا يمكننا يالأقل أن نستشعر قيمة الابداع الذهنى فى مثل هذه المعادلة .

–  أما عن الرحلة المعنية – الى انجلترا – كانت عام 1914 عندما شد “رامانوجان”   الرحال – اذا كان التعبير ملائما – الى انجلترا بناء على دعوة عالم الرياضيات  ” هاردى ” حيث قام بتسجيل نفسه كطالب باحث بجامعة Trinityو التي درس فيها إسحاق نيوتن وبيرتراند راسل .

 وقد كان العمل المشترك بين رامانجن وهاردى مثمرا وقد قاما معا بمراجعة مسودات “رامانجن” واتضح أن الكثير من أعماله تعد إضافات جديدة للرياضيات بينما البعض الآخر معروف من قبل ، وتقديرا لأعماله صنفه  العالم “هاردى” من ضمن العلماء مثل ليونهارد أويلر و كارل غوستاف جاكوب جاكوبي .

  وكان “رمانوجان” كثير العمل لدرجة أنه كان يعمل فى بعض الأحيان لمدة ثلاثين ساعة متصلة !!   ولاندرى مااذا كان الحدس لديه لم يتوقف على التنبؤ بالنتائج العلمية قبل التدليل على صحتها (تقديم البرهان) ، وانما تعدى ذلك الى الاستشعار بنهاية أجله ، فصارع الوقت والمرض ، ليصل الى أهدافه ويحقق أحلامه قبل أن تنتهى رحلته فى هذه الحياة الدنيا !!

  لدى تواجده بانجلترا تعرض “رامانوجان” لمرض استعصى على الأطباء تشخيصه ، مما أصابه باليأس ودفعه الى محاولة الانتحار فى احدى المحطات لقطار مترو الانفاق بلندن ، ولكنه قد تجاوز هذه المحنة بمعـاونة العالــم “هــاردى” .

  ونذكر على هامش هذه الواقعة ، أن مرض رامانوجان أرجعه العديد من الكتاب ربما نقلا متواترا عن بعضهم البعض أو بأقلام وتحقيقات مستقلة أنه جاء نتيجة الاختلاف البين بين البيئة المناخية الحارة التى نشأ فيها رامانوجان وتلك التى عايشها فى دولة أوروبية مثا انجلترا وهى قارسة البرودة .. ولكن على أية حال لم يذكر أن هذا التفسير كان منسوبا الى أحد الأطباء الذين عاينوه لدى مرضه !!  وهو من هذا النظر لايعدو أن يكون تشخيصا أدبيا وليس طبيا .

 وفي وقت تم تكرم “رامانوجان” وأُعترف بقيمة أعماله حيث تم قبوله بالجمعية الملكية وسمي بـ ” زميل جامعة Trinity ” .

 (المجلة الألمانية Geo Special عدد 2004/05 – مشار اليها بمقال عن سري‌نيڤاسا رامانوجان على الموقع الالكترونى للمعرفة : https://www.marefa.org/سري‌نيڤاسا_رامانوجان#cite_ref-1)

   وأخيرا فى مارس 1919 عاد “رامانوجان” الى الوطن عودا حميدا مفعما بالانجازات فاستقبل استقبال الأبطال ، وقد عرض عليه منصب الأستاذية بجامعة Madras   لكنه قد توفى قبل أن يشغل هذا المنصب أو هذه الوظيفة عـن عمـر يناهــز حـوالى الثانيــة والثلاثــين عامــا . 

 وهكذا بعد أن أتم رسالته فى مجال علم الرياضيات  فقد فارق “رامانوجان” هــذا المجـال الــذى ارتبط به حـيث فـارق الحياة !! وكأنـه ماوجـد وعـاش الا من أجــل ذلـك !!!

(حوارالمقال بين هاردى ورامانوجان)

 حوار حقيقى أم افتراضى !!

  • مضمون الحوار :

  عبارة عن الجدلية حول مصدر المعرفة لدى “رامانوجان” وسر الحدس لديه فيما توصل اليه من نتائج ، حيث أجاب رامانوجان على سؤال هاردى فى هذه المسألة ، بأنها الهام يأتيه من الهه ، فعلق “هاردى” بأنه لايؤمن بما لايمكن اثباته ، فهو لايؤمن باله “رامانوجان” وانما يؤمن به هو أى بقدراته.   والى هنا قد انتهى الحوار .. ولكن لم ينته الطرح !!     بــل تـبدأ مـن هــنا الاشكـالية الحقيقيـة لفـكرة المقــال .

 وان كان الحوار المذكور مقتضبا  لكنه يحمل – فى نفس الوقت -مضامين شائكة واشكاليات فكرية معقدة ، طالما صالت وجالت فى عقول بنى البشر ، أو كانت محلا لصولات وجولات أقلامهم أو أقلام ماينوب  عنهــم مــن الفلاســفة والمفكــرين .

 وان كانت ثمة اشارة واجبة الى أننى لم أعثر فى الحقيقة على هذا الحوار فى أى من الكتابات التى تناولة سيرة  تسنى لى الاطلاع عليها  خلال العديد   من الكتابات التى تناولت مسيرة العالم “رامانوجان” التى فى الغالب قد أعتمدت على مذكراته .. لكنى رصدت هذا الحوار من أحدالأعمال الفنية التى تناولت قصة هذا العالم وهو الفيلم الانجليزى  the man who knew idintfy 

أو الرجـل الــذى عـــرف اللانهايــة . 

 ولعل فى الاسم المختار لهذا العمل اشارة الى  طبيعة المتواليات غير المتناهية أو اللانهائيات التى كان يصوغها ” رامانوجان” ، أوربما تشير الى خلود ذكرى هذا العالم فى التاريخ  وهنا يترجم العنوان وينحى منحىً آخرا فى المعنى وهو : الرجل الذى عرف الخلود !!   

  ولاأدرى حقيقةً ، ماذا كان هذا الحوار حقيقيا أم افتراضيا ؟!  لكنه حتى لو كان غير حقيقى لأفترضناه نحن ! لأهميته ، كيما نتساءل ثم نتناول مدى امكانية أن تكون النظريات العلمية محلا للتنبؤ على غرار النبوءات الدينية عبر الرسل!!  بيد أن  كشف أسراره – أى العلم – وسبر أغواره ، انما قد جاء نتيجة جهود العلماء وأبحاثهم المبدوءة أو المسبوقة –- حسب الأحوال- بمعارف مهدت لها … وهكذا الى حيث التراكم المعرفى عبر تاريخ البشرية .  فالعلم الفيزيقى المنظور ليس زعمـا غـيبيا ولا رجـما بـه !!

  وانما خطوات نحو اكتشاف المعرفة على الانسان أن يخطوها ، ويلج أسبابها ، ويكشف النقاب عن نتائجها وفوائدها المسخرة للبشرية ، هذا منطق الأسـباب أو سـنة الله فـى كـونه .

 واذ يختلف ذلك تماما عن محاولات الانسان فى شأن اكتشاف العالم غير المنظور “الميتافيزيقى” أو اختراق الغيب الذى لم يؤذن لبشر سوى الأنبياء والرسل أو من أذن له الله وأرتضى !!

  ولايغير من تلك الحقيقة مبالغات البعض فى معرض الدلالة على شدة النبوغ والعبقرية – فى مقام التشبيه – باطراء على العالم ووصف عمله بأنه كأنه الهاما من السماء . 

 من ذلك ماوصف به ونعت عالم الرياضيات الأمريكى ” كين أونو ” أعمال ” رامانوجان “بأن :  ” مصدر هذه الأفكار وكتابة المعادلات دون شرح أو استنتاج أو برهان وكأنها نزلت من السماء ما زال لغزًا حتى اليوم.  وعلى سبيل المثال إن رامانوجان كتب معادلات لم تكن نتيجة حساب لأن طرق الحساب المطلوبة لاستنتاج هذه المعادلات لم تُكتشف إلا بعد 70 أو 80 سنة على وفاته.  “ولا بد انه كان صاحب بصائر عميقة ولن نفهم بصورة كاملة أبداً كيف توصل الى هذه الاكتشافات“.

 ( حديث لعالم الرياضيات الأمريكى من أصل يابانى حدث كين اونو عالم الرياضيات الاميركي من اصل ياباني، متخصص بنظرية الأعداد، في مقابلة مطولة مع مجلة شبيغل الالمانية عن قضايا عديدة بينها المواهب الشابة في الرياضيات، والانتحار في الثقافة اليابانية والوحي الالهي.    جريدة ايلاف 1/8/2016 – اعداد عبد الاله مجيد https://elaph.com/Web/News/2016/8/1101559.html)

 وفى الختام نمهد لاستكمال هذا الطرح – من خلال الجزء التالى – هل  كان صحيحا حدس رامنوجان (فى مصدر حدسه) كما كان صحيحا بالنسبة للنتائج التى توصل اليها فى معادلاته الرياضية ؟ أم أن الأمر مختلف هذه المرة .. خاصة ولن يسانده هنا رجل البرهان “هاردى” الذى أنكر عليه ذلك !! وماذا يعنى الحدس اذن !! والى أى مدى يمكن  قبوله كأحد مصادر المعرفة فى العلوم البحتة أو التجريبية !!! 

  وهل صاحب الحدس منفصل تماما عن البرهان  ؟! ثم يسوغ السؤال أيضا من الذى يقدم المعرفة ؟!! الحدس أم البرهان ؟!! وهو سيتم تناوله ومايتفرع عنه اشكاليات أخرى من خلال الجزئين التاليين باذن لله .

                   

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق