فضفضة مع أميرة عابدين

الدكتورة أميرة عابدين تكتب… الاكتئاب مرض عضوي مش ضعف وتشاؤم واستسلام

بعد ما عرفنا إيه هو الاكتئاب وأهمية الوعي به في مراحله المبكرة واستكمالا لعملية الوعي تلك، علينا أن نعرف بعض المعلومات الطبية الخاصة بأنواع الاكتئاب والخلل الهرموني المؤدي له وتشخيصه وبعض طرق الوقاية منه وعلاجه.

يصنف الاكتئاب من حيث شدته إلى ثلاثة أنواع؛ طفيف، متوسط، حاد. وبناء على عدد الأعراض وشدتها، يتم تصنيف حالات الاكتئاب باعتبارها طفيفة، أو متوسطة، أو حادة. بمعنى أن التصنيف يتم وفق اجتماع أكثر من عرض، وحدة وشدة هذه الأعراض. وقد يجد من يعاني من نوبات اكتئاب طفيفة بعض الصعوبة في الاستمرار في العمل العادي والأنشطة الاجتماعية، ولكنه قد لا يتوقف عن العمل تماما.
وخلال نوبة الاكتئاب الحادة، فمن غير المرجح تماماً أن يتمكن من يعانون الاكتئاب من مواصلة الأنشطة الاجتماعية، أو العمل، أو الأنشطة المنزلية، إلا بقدر محدود للغاية. ويمكن أن يكون أي نوع من أنواع الاكتئاب تلك مزمنا (أي على مدى فترة طويلة من الزمن) مع حدوث انتكاسات، ولا سيما في حالة ترك الاكتئاب دون علاج..

ويصنف الاكتئاب من حيث التشخيص إلى :
1- اضطراب الاكتئاب المتكرر: ينطوي هذا الاضطراب على نوبات اكتئاب متكررة. وخلال هذه النوبات، يعاني الشخص من اعتلال الحالة المزاجية، وعدم الاهتمام والتمتع بالأشياء، وتدني الطاقة مما يؤدي إلى قلة النشاط لمدة أسبوعين على الأقل. ويعاني كثير ممن يمرون بحالات اكتئاب كذلك من أعراض القلق، واضطراب النوم والشهية، وقد يكون لديهم شعور بالذنب أو قلة تقدير الذات وضعف التركيز، بل وحتى أعراض بدون تفسير طبي.

2- الاضطراب الوجداني الثنائي القُطب: وعادةً ما يتألف هذا النوع من الاكتئاب من نوبات هوس واكتئاب تفصلها فترات من المزاج الطبيعي. وتنطوي نوبات الهوس على الروح المعنوية العالية أو المزاج العصبي، والنشاط الزائد، والتحدث بسرعة، وتضخم تقدير الذات، وقلة الحاجة إلى النوم.

3- الإكتئاب الموسمي:

اكتئاب فصل الشتاء: قد يفسر نقص فيتامين” د” خلال أشهر الشتاء نوع الاكتئاب الذي يصيب الأشخاص فقط في المواسم التي تقل فيها أشعة الشمس – ويسمى هذا النوع من الاكتئاب بـ “الاضطرابات العاطفية الموسمية”. ويعتقد الكثير من الباحثين أن فيتامين د هو أحد الهرمونات، وليس مجرد فيتامين، لأن فيتامين د يعمل مثل الهرمونات في المخ والهيكل العظمي.

اكتئاب ما بعد الولادة : اكتئاب ما بعد الولادة هو نوع خطير من الاكتئاب، حيث يؤثر في نسبة كبيرة من النساء بعد الولادة. فبعد إزالة المشيمة يصل مستوى الهرمونات الجنسية في جسم النساء إلى مستويات منخفضة للغاية، وبعض النساء سريعات التأثر بهذه التغيرات، وإذا كانت المرأة تُرضع طفلها رضاعةً طبيعيةً، فإن إنتاج الهرمونات من المبايض يظل متوقفًا، وبذلك يستمر مستوى الهرمونات الجنسية في الانخفاض.
وقد يبدأ الاكتئاب خلال الحمل، في الغالب، حين يصاحبه قلق، ومن ثم يكون المصطلح الأكثر مناسبةً، هو اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة.

الاكتئاب خلل هرموني:
الاكتئاب خلل هرموني حقيقة لا مجال للجدال فيها أو التشكيك أو الاستهانة بها .. تلك حقيقة ثابتة لكنها للأسف غير معروفة وليست شائعة بالقدر الذي يشاع عن أن الاكتئاب مرض نفسي يصيب الضعفاء البؤساء اليائسين.

والشائع والمعروف أن نقص هرمون السيروتونين هو ما يسبب الاكتئاب
فـ “السيروتونين” أو هرمون الاكتئاب -عوضًا عن تسميته هرمون السعادة خطًأ، حيث إنّ هرمون السعادة هو الدوبامين– هو مادة كيميائية تُنجِز مجموعة متنوعة من الوظائف في جسم الإنسان، تُوجَد هذه المادة بشكل رئيسي في الدماغ والأمعاء والصفائح الدموية، يُستخدَم السيروتونين لنقل الرسائل بين الخلايا العصبية، ويُعتقد أنّ له دورًا نشطًا في تقوية العضلات الملساء، كما أنّه يلعب دورًا هامًا في الشهية والمشاعر والوظائف الحركية والإدراكية في الجسم، ويؤدي انخفاضه إلى إصابة الإنسان بالاكتئاب. ومن الجدير بالذكر أن من أهم عوامل انخفاض هرمون السيروتونين في جسم الإنسان هو التعرض للضغوط النفسية والحياتية الشديدة.

غير أن الدراسات العلمية والبحوث السريرية أثبتت أن الاكتئاب يحدث نتيجة نقص ثلاثة هرمونات في المخ وهي: هرمون “السيروتونين” و”النورادرينالين” و”الدوبامين” وهي المسؤولة عن التوازن النفسي واعتدال الحالة المزاجية والشعور بالراحة.

تلك الهرمونات الثلاث هي المسؤول الأول في الإصابة بالاكتئاب غير أن هناك عدد من الهرمونات الأخرى يؤدي نقصانها إلى بعض الأعراض الجسدية بجانب الاكتئاب. كما سيتم توضيحه فيما يلي.

اضطراب الهرمونات والاكتئاب:
يؤدي زيادة تركيز أو نقص تركيز بعض الهرمونات في الدم -بخلاف السيروتونين، والدوبامين، والنورادرينالين- إلى حدوث أعراض مرضية جسدية متلازماً مع اضطراب الحالة المزاجية وتذبذبها؛ مثل:

هرمون الكورتيزول: يؤدي انخفاض معدل هرمون الكورتيزول إلى الإصابة بفقدان الشهية، وقلة النشاط العام، والإصابة بالإمساك، أو الإسهال، وتلوّن الجلد باللون الداكن الشاحب، ويزيد الشعور بالاكتئاب .
هرمونات الغدة النخامية: إصابة الغدة النخامية بالضعف، يؤثر على جميع غدد الجسم، ويسبب ضعفها وقلة نشاطها، مما يؤدي بالإضافة للاكتئاب، إلى حدوث عدد كبير من المشاكل في الجسم، مثل انقطاع دورة الحيض، وفقدان القدرة على الإنجاب .
ديهيدرو إيبي أندروستيرون Dehydroepiandrosterone: يصنع الهرمون الذي اسمه ديهيدرو إيبي أندروستيرون في الغدة الكظرية؛ وكلما تقدمنا في العمر نُنتج تدريجيًّا كميات أقل من هذا الهرمون، مما يؤدي إلى الاكتئاب أو القلق، أو كلاهما معًا، والتعب المزمن، إلى الإصابة بمتلازمة كوشنج، التي تظهر بانتفاخ في الوجه، وانتفاخ الجسم، وظهور الشعر في الوجه والذقن عند النساء، وتذبذب معدلات ضغط الدم والسكري، والإصابة بالاكتئاب .

الأنسولين Insulin: نقص نسبة هرمون الأنسولين في الدم، يؤدي إلى ارتفاع معدل السكر في الدم، واضطراب المزاج، والشعور بالاكتئاب، والشعور بالتعب والإجهاد.

الأوكسَيْتوسين Oxytocin: يسبب نقص هرمون الأوكسَيْتوسين عند المرأة، إلى الشعور بالاكتئاب .
البروجسترون Progesterone: البروجسترون هو هرمون جنسي، يصنعه المبيض عند المرأة خلال النصف الثاني من دورة الطمث، وبكميات هائلة خلال الحمل. ويُحدث البروجسترون تأثيرًا مهدئًا، ويمكن أن يعزز من حالة الرضا والاستقرار، ويمتلك المخ مستقبلات للعديد من الهرمونات، وذلك هو سبب أن الهرمونات الطبيعية يمكن أن يكون لها تأثير فعَّال في علاج الاضطرابات النفسية.
تستوستيرون Testosterone: أما التستوستيرون فهو هرمون الذكورة، ويُنْتَج بكميات كبيرة في الخصيتين، وبكميات أصغر في المبيضين عند النساء، وعلى الأرجح، قد يسبب نقص التستوستيرون أمراض الاكتئاب، أو القلق عند الرجال، خاصةً إذا حدث في منتصف العمر أو بعده.
هرمونات الغدة الدرقية : يمكن أن يسبب نقص هرمونات الغدة الدرقية الاكتئاب وضعف الذاكرة، وارتفاع الكوليسترول، وصعوبة فقد الوزن. حيث يؤدي انخفاض معدل هرمونات الغدة الدرقية، هيبوثيروديسم، إلى الشعور بالاكتئاب الحاد، مع تورم الأطراف، والشعور بالبرد، وزيادة وزن الجسم، وميل البشرة للون الأصفر، وجفافها، وزيادة خشونة الصوت . كذلك فإن زيادة نسبة هرمونات الغدد جارات الدرقية، تؤدي إلى زيادة نسبة الكالسيوم في الجسم، والإصابة بعسر الهضم، والاكتئاب، والإصابة بالكسور، وتشكل الحصى في الكلى .
ومما سبق يتأكد لنا أن الاكتئاب مثله مثل أي مرض عضوي/ جسدي ينتج عن خلل هرموني وليس ضعفا أو قلة حيلة أو نزعة يأس أو تشاؤم في شخصية المكتئب. وهنا يفرض هذا السؤال نفسه؛ ما الذي يؤدي إلى هذا الخلل الهرموني ويسبب الاكتئاب؟
أسباب الاكتئاب
هناك عدة أسباب محتملة للاكتئاب – والتي تستهدف تغيُراً في مستويات هرمونات الاكتئاب الآنفة الذكر- والتي يمكن أن تتراوح بين الأسباب البيولوجية والأسباب البيئية، وفيما يأتي نبذة عن هذه الأسباب:
● الصدمة في مرحلة الطفولة المبكرة: حيث يمكن أن تُؤثّر بعض الأحداث الحياتية في مرحلة الطفولة على مستويات هرمون الاكتئاب وبالتالي على الطريقة التي يتفاعل بها الجسم مع الخوف والمواقف العصيبة.
● بنية الدماغ: حيث إنّه يكون هناك خطر أكبر للاكتئاب إذا كان الفص الأمامي للدماغ أقل نشاطًا.
● الأمراض المزمنة والأرق والألم المزمن أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD.
● الأحداث الحياتية المُرهِقة: مثل فقدان أحد أفراد الأسرة أو الطلاق أو المشاكل الاقتصادية.
● التاريخ العائلي المرضي: حيث لُوحِظ أنّ الأفراد قد يكونون أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب إذا كان لديهم تاريخ عائلي من الاكتئاب أو أي اضطراب مزاجي آخر.
● تعاطي المخدرات أو الكحول.

كيفية التشخيص الطبي للاكتئاب:
إن تشخيص الاكتئاب – في معظم الحالات – يعتمد على قيام الطبيب بإجراء فحص جسدي وإجراء فحوصات مخبرية معينة للتأكد من أن أعراض الاكتئاب لا تتعلق بحالات مرضية أخرى مثل مرض الغدة الدرقية أو نقص فيتامين د، ولعل معظمنا لا يعلم عن تلك التشخيصات شيئاً ، بل قلما ما يلجأ الأطباء أنفسهم إلى تلك الآليات في التشخيص إلا مع الحالات التي لم تستجيب للعلاج الدوائي وازددادت تدهوراً. وفيما يأتي نبذة عن فحوصات تشخيص الاكتئاب:
● التشخيص البدني أو الفيزيائي: إنّ الهدف من الاختبار البدني هو استبعاد أي سبب طبي آخر للاكتئاب، وعند إجراء الفحص البدني يُركّز الطبيب في المقام الأول على النظم العصبية والغدد الصماء، ويحاول تحديد أيّة مخاوف صحية كبيرة قد تسهم في أعراض الاكتئاب الإكلينيكي، فعلى سبيل المثال، إنّ قصور الغدة الدرقية -الناجم عن عدم انتظام الغدة الدرقية- هو أكثر الحالات الطبية الشائعة المرتبطة بالاكتئاب، ويجدر التنويه أيضًا إلى أنّ العديد من أمراض الجهاز العصبي المركزي والإصابات العصبية يمكن أن تؤدي أيضا إلى الاكتئاب وذلك من مثيلات أورام الجهاز العصبي المركزي ورضوض الرأس والتصلب المتعدد والسكتة الدماغية ومرض الزهري.
● الفحوصات المخبرية: قد يطلب الطبيب إجراء فحوصات مخبرية لاستبعاد التشخيصات الأخرى وتحديد التشخيص التفريقي المناسب، وذلك من مثيلات فحوصات الدم لتحديد مستويات نشاط الغدة الدرقية ومستويات الكالسيوم وفيتامين د والالكتروليتات ووظائف الكبد ومستويات السموم وقياس مستويات وظائف الكلى.
● فحوصات أخرى: وتشمل الأشعة المقطعية أو التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ لاستبعاد الأمراض الخطيرة مثل أورام المخ.
● تخطيط القلب الكهربائي “ECG”: لتشخيص بعض مشاكل القلب.
● تخطيط الدماغ الكهربائي “EEG”: لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ.
● اختبارات فحص الاكتئاب: حيث قد يطرح الطبيب على المريض أيضًا بعض الأسئلة -من خلال استبيانات كتابية أو شفوية- والتي تُستخدم في الكشف عن الاكتئاب، وأحد الأمثلة على ذلك هو استبيان مكون من جزئين يشمل أسئلة عن تفاصيل مشاعر المريض في الأشهر الماضية واهتمامته وأداء مهماته اليومية وتفاعله مع الوسط المحيط به، هناك استبيان آخر يُسمَّى “PHQ-9” حيث يتم من خلاله تشخيص حالات الاكتئاب الشديدة والتي تحتاج لعناية سريرية في مستشفى أو مصح عقلي.
● تقرير ذاتي يحمل اسم “BDI”: والذي يقيس أعراض الاكتئاب والمشاعر الدورية لدى الإنسان.
● مقياس الاكتئاب الذاتي “Zung”: والذي يقيس مستوى الاكتئاب المتوسط أو المعتدل والناجم عن تغيّرات في مستويات هرمون الاكتئاب.
● مقياس تقييم هاملتون للاكتئاب “HRSD”: وهو استبيان متعدد الخيارات يمكن أن يستخدمه الأطباء لتقييم شدة الاكتئاب لدى المريض.

الوقاية:
لا توجد وسيلة مضمونة لتجنب الإصابة بالاكتئاب، وذلك لأنه مرض تتداخل فيه عدة عوامل بيولوجية وسلوكية، ولكن هناك خطوات يمكن من خلالها تقليل احتمالية الإصابة به، والمساعدة في تشخيصه والتعامل معه في مراحله الأولية، منها:
● ممارسة الرياضة والهوايات والأنشطة المفضلة.
● المحافظة على شبكة اجتماعية داعمة من الأصدقاء والعائلة، وخاصة في أوقات الأزمات.
● معرفة معلومات كافية صحيحة عن الاكتئاب وخاصة إذا كنت من الفئة المعرضة له.
● محاولة التعامل مع الضغوط وتقليلها قدر الإمكان.

العلاج :
كما سبق وذكرنا تشتمل معالجة الاكتئاب إما على الأدوية أو الجلسات النفسية أو توليفة من الطريقتين، ويعتمد هذا على نوع الاكتئاب الذي يصيب الفرد والأسباب المؤدية إليه بشكل خاص.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.