مقالات

“العامل الميثولوجي في المسألة الإثيوبية” .. بقلم : د. رأفت محمود

نحن أبناء الماضي، في المسالة الإثيوبية يوجد الكثير الذي يقال، وأكثره إثارة هو ما يتعلق بالميثولوجيا الإثيوبية، تلك الاساطير التي تحيا في الضمير الجمعي الإثيوبي، التي ترغب في الانفجار والخروج، الاحساس بالذات القومية الإثيوبية التي تستند بقوة على بعث أساطير الأوليين.

شواهد عدة في قضية سد النهضة كانت تؤكد إنها ليست قضية عدالة ومنطق، بل ليست قضية صراع على مورد طبيعى،احساس بدأ يتملك الجميع بإنها قضية كيف امنع واتحكم، تلك الجملة فرضت نفسها أخيرًا وباتت مُلقاه على منضدة التفاوض من الجانب الإثيوبي.

اختزال المشهد بوجود دوافع إقليمية ودولية يخل بالمشهد الحالي، نعم هناك دوافع إقليمية ودولية لخنق الدولة المصرية وإلى التفرقة بين الدولتين، ولكن فى خلفية المشهد أيضًا الكثير.

خط مستقيم تمضي عليه الدولة الإثيوبية، فلم تقر وتعترف بأي اتفاقية سواء كانت طرف فيها أم لا، محتلة أو مستقلة وكاملة السيادة، ففي الإجمال فإنها لم تقر بأى اتفاقية تاريخية فاتفاقيات (1891، 1902، 1906، 1929، 1959) لا تقر بما جاء فيها وتنقدها دائمًا حتى إتفاقية 1993التي وقعتها مع مصر تنصلت منها فور توقيعها.

اخرجت الاتفاقية الأحدث فى عام 2015 من مضمونها، وتهربت بحجج واهية من التوقيع على ما توصل إليه الاطراف الثلاثة بشأن سد النهضة برعاية الولايات المتحدة الأمريكية نهاية العام الماضى، في جميعها تذهب وتتفق ثم تعترض وتتحجج وتعتذر وتناور، في النهاية لن تلزم نفسها بشيء.

مظلومية تاريخية يصدرونها في كل لقاءاتهم تكاد من سخونتها أن تفجر قاعات الاجتماعات، يتكلمون عن حوض نهر ولديهم ثمانية احواض أخرى، كأن مياهه شفاء لجميع امراض الجسد الإثيوبى المتخم بالفقر وفشل سياسات حكامها على مر العصور الماضية،فكانت النتيجة ما نراه الأن في تلك الملهاة الدائرة التي يعاني منها المفاوض المصري المحمل بحمل جبال.

لمصر مكانة خاصة جدًا فى الذهنية الإثيوبية، لم تحتلها بناء على رغبات الساسة الإثيوبيين فقط بل أيضًا بحكم الأساطير والعامل الديني الذي غذى طموحات قومية، فهو تاريخ قديم تم بناءه بدأب ويبنى عليه حاليًا لتكون القطيعة أبدية لا تلاقى فيها بين الدولتين.

فّاذا كانت إسرائيل بنت دولتها على أساطير تمكنها من أرض فلسطين، الأن تنضج على نار هادئة من يقطع كل طريق للتعاون والجوار الجغرافي الحميد،فإثيوبيا التي نعرفها اليوم تختلف عن إثيوبيا التي كانت حدودها لا تخرج عن الهضبة الإثيوبية، فاليوم تحتل أراض من دول أخرى وتغيرت ديموغرافيتها، فقد ضم إليها إمارات وممالك أفريقية مستقلة، إضافة إلى أجزاء من الصومال وأقاليم تتبع تاريخيًا السودان.

 إنها دراما صراعية توطن إنهم لن يكونوا إلا بإضعاف ذلك الخصم، لتحافظ على تماسك الكيان الإثيوبي الحالي وتحقيق الطموح القومي لها، فلا تندهشوا مما نراه من تقديس الكره لنا وتدين العلاقة بين الطرفين أو بمعنى أخر شيطنة مصر داخل إثيوبيا، والذي بات الحل الأمثل لإخفاء علل كثيرة يعانى منها النظام السياسي الإثيوبى، حل وجد من يدعمه ويغذيه بقوة من تراثهاالأسطوري.

فلم تكن عملية بعث للأساطير لأنها في الحقيقة لم تمت، تجربة أشبه بما واجهناه ومازلنا بالقرب من حدودنا الشرقية، حول الأساطير الصيهونية التي بنوها للتمكن من أرض فلسطين، فتعاليم الكنيسة الإثيوبية أقرب إلى الأرثوذوكسية اليهودية وغلفت المسيحية الإثيوبية بأساطير لا تختلف كثيرًا عما تنطلق منه الميثولوجيا اليهودية والتي مكنتها من دولة فلسطين المحتلة.

يرون إن نسبهم يمتد إلى سيدنا سليمان من خلال نسب ملوكهم إليه فالملك منليك الأول يعتبر أبن سيدنا سليمان في الأساطير الإثيوبية ومنه خرجت دعاوى نقاء السلالة وشعب الله المختار، فما أكثر شعوب الله المختارة!!! التى تموج بها منطقتنا مع إن الشعب الذى بورك ووصفت أرضه بأنها أرض أمان هي مصر لو لجأنا إلى الكتب السماوية وما بنى من أساطير لقيل الكثير فى هذا الشأن.

 فخطاب الكنيسة الإثيوبية يصدح بفكرة العرق السامي أو النقاء العرقي بالانتماء إلى الأنبياء،وعلى ضوء تلك النصوص المتطرفة، يسيطر على المتدينين الإثيوبيين بدعم من الكنيسة فكرة النقاء العرقي الإثيوبي عن شعوب العالم باعتبارهم من نسل النبي سليمان، ويؤمنون بالنص الديني اليهودي بأن الله فضل سارة العبرانية وابنها إسحاق على هاجر المصرية وابنها إسماعيل، وما بين أبناء سارة العبرانية وهاجر المصرية وجدت مصر في قلب الحدث وفى أحاديث الغرف المغلقة.

فهي دولة بكل اعتبارات الميثولوجيا الداخلية والمكانة خصم إقليمي لا يقل عما تساويه اسرائيل وتركيا وإيران لمصر في الإقليم وإن كانت تتفوق عن تلك الدول بانها منبع لجزء من مياه النهروملجأ دائم لخصوم الدولة المصرية

الفروقات القومية الحالية داخل إثيوبية والتي تكاد تنفجر تحتاج إلى جدار يحميها ويحقق التماسك القومي، فكان خلق مشروع قومي قائم على تحدى منافس، له في الذهنية القومية والدينية الإثيوبية الكثير.

فالمشروع تحول إلى قضية وجود لهذه الدولة التى تبحث عن هدف قومي وجدته بإحياء ما يستدعى الفخر بكيانها وتاريخها أمام دولة بحجم تاريخ وكيان مصر،تواكب مع ذلك رغبات اقليمية ودولية في تبوأ إثيوبيا مكانة مرموقة لأهداف يمكن سردها فى مقال أخر.

في النهاية ما يفعله التركي من تدين محاولات إحياء امجاد إمبراطوريته واستعماره لشعوب المنطقة كما رأيناه أخيرا فى تمثلية أيا صوفيا وما فعلته اسرائيل في قصة شعب الله المختار وأرض الميعاد يجرى الأن في إثيوبيا استنهاضه وبقوة.

فحمل الكل مساوئه إلى النهر وألقى بالشرور على جانب ضفتيه وحُمل بما لا يطيق ذلك الصامت الجاري في هدوء،ولو تغلب حديث العقل قليلًا لتمكنا معًا من فعل الكثير ولكنها إرادة الإنسان!!.

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق