ادب

“ترحيلة ” قصة .. بقلم : د.نجلاء نصير

منذ أن شقت الحروف لساني وأنا في يد أبي الذي يعمل كعامل ترحيلة وحين بلغت خمس سنوات اصطحبني معه ، كان يجلس على الرصيف على أطراف قريتنا بين عشرات من عمالة التراحيلة ، وحين سأله مقاول الانفار :
_كم عمره ؟
يرد :
_تسع سنوات يا معلم وعفي يقدر يشيل سبت لوحده ويقطف الفاكهة ..
كان مقاول الأنفار يقبلني لأنني أعمل بطاقة رجل وبأجر نصف عامل ، كانت مزارع العنب والموالح مقصدنا كل في موسمه ، وفي يوم وقع والدي الذي أكله الفقر والمرض ، فقد كان يعاني من وجع بالكلى كنت قد اتممت عامي العاشرحينها وكان طولي الفارع وقوة بنياني هي رأس مالي الذي ورثته عن جدي لأمي ، حملت والدي حين سقط وأجلسته تحت الشجرة بعد أن هده المرض وصار نحيلًا ، وشى أحد العمال لمقاول الأنفار فقرر أن يحرم أبي من يوميته ،أقسمت له أن أبي عمل نصف يوم ومن الإنصاف أن يعطي الأجير حقه قبل أن يلفظ أنفاسه ، رق قلب المعلم وأعطاني أجرة رجل ، وصلنا للقرية وحين رأت أمي أبي محمولًا صرخت وقالت :
_ظهري انقسم يا أبو نور كوم لحم ” ست عيال وأمهم مين غيرك يلمهم “
انسكبت حبات الصبر من عين أمي ربطت رأسها بطرحتها السوداء التي حمرتها أشعة الشمس من أثر السنين ، جلبابها المرقطة بعين الكتكوت و شقت عين الكتكوت نسيجها لتشهد على سنوات الحرمان وبنطلونها المصنوع من البفتة البيضاء كالسحاب يسد شقوق الجلباب، السقف اخترقته مياه الأمطار ،الخشب شرب الماء حتى عشش فيه السوس ، الفرن حوله أجولة طحين فارغة ، أفواه الصغار مفتوحة ،أبي يتوجع وكل آه تشق قلبي ، ذهبت لشيخ الغفر ليساعدني بغفره، فحزني على أبي هدني ، خمس وأربعون عاما في الترحيلة ،ولم يجنٍ سوى الشقاء ، يعود قابضًا على لقيمات وبعض الفواكه التي تسربلت بالتراب وأنِفَ المعلم وضعها في السبت .. شيخ الغفرنهرني، وقال :
_ تصحيني علشان حسنين الغلبان ما يموت ولا يروح (في ستين داهية ..قبريلمك) لم أجد سوى رجل غريب عن القرية توسلت إليه أن يأتي معي ويساعدني في حمل أبي لمستشفى المركز فقبل ..وفي المسشفى قال الطبيب :
_حالة حسنين متأخرة لابد أن يظل تحت الملاحظة (شوفوا سرير أو افرشوا له على الأرض) حتى نجد سريرًا شاغرًا ..عدت لأمي بلا ظهر ، طلبت من الله أن يطيل عمرأبي حتى لا ينفرط عقد أسرتنا ، كان ترتيبي البطن الثانية كما كانت تردد أمي ،أما أختي الكبرى فقد تزوجت من رجل يكبرها بأعوام ومتزوج من ثلاث نساء غيرها لا ينجبن إلا فتيات وهو يشتهي الولد ..دلالة القرية أقنعت أمي بتزويجها وهي ابنة الرابعة عشر ،فجسدها جسد فتاة في العشرين ، والرجل سخي جاء محملًا بالخيرات فواكه وخروف وأعطى أبي خمسمائة جنيه ،أخذها بفستانها الأبيض الذي أحضره معه بعد أسبوع تن تحضيرها وسافرأبي بها إلى الصعيد ،ودعتها أنا وأخواتي لم نفهم في تلك اللحظة أنها لن ترجع إلى دارنا مرة أخرى ،مرت سنوات مات أبي وهو يفترش الأرض الرطبة إلتهمته أوجاع الكلى المبرحة ، أكل السكر أمي ؛فبتر الأطباء ساقها الأيمن وبعد عامين من البتر لحقت بأبي ، أصبحت رجل البيت بلا اختيار أعول أخواتي وصورة ياسمين بفستانها الأبيض وهي بيد والدي لا تفارقنتي ..تنقلت في عدة أعمال ، تركت الترحيلة بعد أن شاهدني صاحب المزرعة أكتب على سبت الفاكهة وأكشف له تزوير أرقام المعلم الذي كان يسرق صاحب المزرعة ويدلس ويختلس عن طريق الأوراق ،لقد تعلمت فك الخط بكتاب القرية ، أصبحت أنا المسؤول عن الأنفار حتى العصر ، وبعد المغرب أجلس في دكانة البقالة التي اقتطعتها من دوارنا ،التحقت بسمة وهمس وشادية بالمدرسة الأميرية ، بينما رفضت خديجة أن تكمل مسيرة التعليم فتزوجت في حياة أمي وكانت تساعدني بتربية الطير في الدار، وكنت أبيع بيضه والسمن الذي تنتجه البقرات الثلاث ،فقد اقتطعت من قوتي لأدخر ثمن الأولى وبفضل الله رزقت بالمال الذي اشتريت به الثانية والثالثة ، تسعدني زيارة أحواتي وأولادهن واليوم قد أتممت عامي الخامس والعشرون وأشعر أنني وفيت الدين وحفظت أمانة أبي فقد وسع الله في رزقي وأحبني أهل القرية وأصبحت مضرب المثل فقد كانوا يرددون :
_ نور بنت بميت رجل .
 

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق