فن وثقافةمركز دراسات كل العرب السياسية والإستراتيجية

“تشريح الواقع والحمولات الثقافية الخبيئة في مجموعة انكسار للكاتبة أمينة الزغبي” .. دراسة بقلم:  د. كوثر محمد مروان

يقول ميخائيل نعيمة: الكاتب المُجيد، سواء كان شاعرًا أو روائيًّا أو صحافيًّا، هو الذي «يرى بعيني قلبه ما لم يره كلُّ بشر»، ، وهو الذي «أعطته الطبيعة موهبة إدراك الحقِّ قبل سواه».  ومن يستحق أن يدعى أديبًا فهو «من يزوِّد رسوله من قلبه ولبِّه واديبتنا استحقت هذا اللقب ، لقد التقطت لنا من كل مشهد من مشاهد الحياة الاسرية درسا مفيدا ، للعمل على بناء أسرة متماسكة دعائمها الحب والسلام .

أول ما يواجه المتلقي، العنوان الذي يعد العنوان مرتكزا أساسيا في قراءة النص؛ باعتباره نصا موازياً لمتن القصة القصيرة جداً. ونظراً لما يحمله من دلالات تعبيرية و إيحائية، فقد أصبح يجسد السند الأول لسبر أغوار النص وولوج  دهاليزه

 العنوان : يتشكل العنوان من ملفوظ واحد “انكسار”  وهو مصدر للفعل انكسر، والجمع منه انكسارات , وقد حمل دلالات متعددة منها: التحطم , الهزيمة, اما تعريف الانكسار في الطبيعة والفيزياء فالانكسار: يُعبِّر عن مقدار التغيُّر النَّسبيّ في اتِّجاه حزمة ضوئيَّة ، عندما تنتقل من الفراغ إلى مادّة شفَّافة معلومة ، وقد جاء العنوان نكرةً لِيُمارسَ تكتما يجعل القارئ متلهفاً للتطلع على فحوى النصوص القصصية ويدفعه لاكتشاف مضمون القصة. أما من الجانب التركيبي، يرسلنا التنكير للبحث عن تتمة مكملة له، ثم التساؤل عن طبيعة هذه “الانكسارات” التي تتحدث عنها القاصّة.  ولقد احتشد بالعنوان معان كثيرة فوضعنا بذلك أمام أفقٍ شاسع للتأويلات، وهذا ما يجعلنا نستنجد بالمتن، و نبحث عن طبيعة هذه الانكسارات . التي قادتنا الى اسئلة كثيرة ،ومنها هل الانكسار مادي ام معنوي ؟

 هل القاصة سعت فيه للتحيز الى بنات جنسها وكان للرجل اصبع في انكسار قلب المرأة ؟ ام ان هذا الانكسار شمل كلا الجنسين وبذلك تكون القاصة على مستوى عال من الانسانية والرؤية الحيادية  لجنس مجتمعها ؟ وقبل الغوص في متن القصص للتاكد من صحة الفرض الذي وضعناه,  نجد أن الاهداء الاول والثاني أشار الى هذا الجانب الانساني العظيم في الكاتبة , فالاهداء الاول كان اعترافا من الكاتبة بفضل كل انسان عليها اثرى معرفتها بكلمة واسدى اليها معروفا , اذ لاينكر الفضل الا كل جاحد , اما الاهداء الثاني فجاء خاصا، قدمته الكاتبة  لابيها وامها ومن يقبعون حجرات قلبها , ومن يمتلك هذه الانسانية الجميلة , ان أمسك بالقلم سينثر  في كتاباته عبق روحه  المتأصلة بالمحبة للناس

ان المجموعة القصصية انكسار تحتوي الكثير مما يستحق التحليل الإجتماعي للعلاقات بين المرأة والرجل وبمشاهد مختلفة.فلم تنحاز القاصة بين ظلم واقع على الرجل من المراة او بين ظلم واقع على المراة من الرجل , اذ عكست السلوكيات الموجبة والسالبة لكليهما  ونقلت القارىء من عالم اسري الى اخر وهي بذلك تنقل له خبراتها الحياتية  ومع  اختلاف موضوعات القصص الا انها تصب في النهاية في المحيط الأسري والاجتماعي،  والتيمة المشتركة بين هذه القصص صور من حياة  الاسرة  فالكاتبة طرحتها من وجهة نظرتتعلق بالفهم الأجتماعي  لهموم المراة والرجل في دائرة الاسرة ولم تتجاوزها الى مشاكل مجتمعية اخرى وربما تكون هناك مشاكل اخرى سياسية او اقتصادية سلطت الضوء عليها من خلال الوضع السىء الذي تعيشه الاسرة في ظل ظروف مجتمعية قاهرة كما في قصة (صابرة) اذ تخرج غريب من كلية العلوم وعمل مدرسا للعلوم بالمدرسة  الإعدادية التي كان طالبا بها من قبل- بالحصة –لأنه لا يوجد تعيين وبسبب سوء الحالة الاقتصادية جاء يطلب مبلغا من المال من والدته للسفر الى ايطاليا والعمل هناك , ان ماجعله يفكر بالسفر هو تردي الوضع المادي للاسرة بعد وفاة الاب، وقد جاءت نهاية القصة نهاية مأساوية وهي غرق غريب قرب شواطىء ايطاليا والكاتبة تعمدت هذه النهاية التي فجعت القارىء بها لتبين  كبرحجم ماساة الهجرة غير الشرعية عبرركوب البحر الى اوربا، ومن قصص المجموعة التي تعرضت الى هجرة الشباب الى الخارج من أجل حياة أكثر رفاهية  

تتطلب توفير مستلزمات معيشية، قصة (من الخائنة) بينت القاصة أن تلك الهجرة جاءت على حساب قد يكون على حساب تخلخل العلاقات الاسرية، وها هو بطل قصتنا هشام  كما يقول السارد : مثله مثل كثير من الشباب.. بعد انتهاء الدراسة التحق بالجيش لينهي خدمته العسكرية والتي كان حظه أن تكون ثلاث سنوات

اختير ضابط احتياط.. انتهت سنوات الخدمة العسكرية علي خير..ان التحاقه بالعمل سهلا ويسر.. خاصة أن تقديره كان جيدا جدا..

بالإضافة للتخصص المطلوب في هذا العصر.. ألا وهو الكمبيوتر ولكن كان العرض الافضل للعمل بالخارج بعد مرور ثلاث سنوات من الغربة.. كانت الأمور متاحة للزواج خاصة أن الأب كانت لديه إمكانية المساعدة، كما راينا من قراءة القصة ،ان الحالة الاقتصادية هي العامل الاول للسفر للخارج رغم حالة اسرة هشام الميسورة الا انه اضطر للعمل في الخارج ليؤمن مصاريف زواجه من الفتاة التي اصر على زواج منها ص  (31)

ومثل هذه القصص استطاعت ان تثير في نفس المتلقي جملة من التساؤلات مثل تناقض هذا الواقع عبر الذات المغتربة في داخل بناء اجتماعي تتهاوى معطياته ولايستطيع المجتمع ان يؤمن ابسط حقوقه الا وهي تامين مستوى راق من العيش وتوفير مستلزمات الزواج

مزجت القاصة قصص المجموعة بالواقع البائس المعيش والخيال الجامح، لتصنع عالمًا يتحرك فيه مقهورون وخائفون، وكذلك الكثير من الحالمين والمغامرين،

قدمت القاصة عدة صور للمرأة في مجتمعها نجد فيها ملامح الواقعية في رسم شخوص قصصها كما في قصة (طاقة) اذ صورت القاصة العادات والتقاليد في المجتمع الصعيدي الذي مازال محافظا على الثقافة الذكورية رغم التطور والانفتاح على الحضارة  والحوار التالي بين نجية وزوجها حسين يرصد تلك العادات :

تقول نجية : حسين أنا تعبت تعالي ساعدنى

كيف أساعدك يابنت.. أنتي مجنونة

هو حرام تساعدني!..الرجالة في التليفزيون بيساعدوا حريمهم

الرجالة في التليفزيون ناس فافى، ليسوا صعايدة.. عيب عليك

اعتمدت القاصة في رسم الشخصية على صورة المراة في الموروث الثقافي الاجتماعي , المراة الخاضعة للرجل الذي ينظر اليها على أنها جسد دون الاعتراف بانها كائن له وجوده الانساني وحقه بالرفض او التعبير , يقول السارد في القصة:

 نظر إلي ساقيها الممددتين أمامه علي الأرض، يزينهما الخلخال، وهمس لها

أنت رايحة جاية أمامي لأسمع رنة خلخالك، والله قلبي بيرقص علي

صوته يا جميل أنت

تعالي أقول لك، قربي يا بنت

وحينما اقتربت منه.. همس في أذنها بكلمات تدغدغ مشاعرها

انفرجت أساريرها.. ضحكت ضحكة عالية.. أفلتت يدها من قبضته،

أسرعت لتكمل ما بدأته في الصباح.. وهي تتمايل في مشيتها، وتدق

الأرض بقدميها، متعمدة كي يعلو صوت الخلخال، وكأنها استمدت

طاقتها من همساته

كما لاحظنا ليس هناك ردة فعل من نجيه تجاه زوجها سوى الخضوع له لكي لاتخرج من دائرة الطاعة فيرفع عنها مظلة الامان الاجتماعي والحرمان من دفء الانتماء

كما تعرضت القاصة في قصصها الى نموذج المراة المضحية الصابرة وظهرت صورة الام في قصة صابرة كمثال للعطاء لاينضب، تغلبت على ظروفها بعد موت زوجها وتفرغت لتربية ابنها الوحيد غريب ورغم محاولة ابيها  أن يقنعها بالزواج مرة ثانية، لكن.. كل المحاولاته باءت بالفشل.. قالت له سأعتمد علي نفسي وأربي ابني وأعلمه ص  (26)

باعت الجبن، والزبد الفلاحي..

كثر زبائنها، كبر رأس مالها

استطاعت أن تفتح دكانا صغيرا في منزل والدها، بعد أن أقنعته

أنها ستدفع له إيجارا مثل الغريب  حتى تخرج ابنها من كلية العلوم وعمل مدرسا في مدرسته الاعدادية . ومثل هذا النموذج للام المثالية  نجده ايضا في قصة ( انسان برتبة نقيب ) تلك الام التي انشات ابنها على القيم والاخلاق، تحدثت القصة عن ضابط شرطة يعمل في أحد أقسام

الشرطة في قرى الصعيد هناك متهم دائم الرسم على الجدران صامت لايتكلم حاول مساعدته ومعرفة اسباب صمته حتى تمكن من الوقوف بجانبه واظهار براءته، حين علم ان عمه اتهمه بقتل امه لانها رفضت الزواج منه، لتقوم بتربية ابنها حامد , وام النقيب جميلة  كانت تستمع الى القصة من ابنها بتلهف  وتقول له : حبيبي أنا فخورة بك..أنا أسعد أم في الدنيا.. لا لأنك أصبحت نقيبا ..لكن لأنني ربيت «إنسان ».. واليوم صار برتبة نقيب.

البياض لنموذج الام المضحية التي فخرت بتربية ابنها على القيم والمبادىء الانسانية، يقابلها في قصة ( باي ذنب قهروا ) صورة الام المستهترة بامومتها والتي اكتسبت ملامح شاذة في تصرفاتها حيال الامومة، وعلى النقيض تماما ظهرت  في القصة ذاتها صورة الاب العطوف على اولاده , والعنوان يقودنا الى محور الدلالة والقهر الذي تسببت به الام لاولادها، نتيجة رفضها استمرار الحياة الزوجية ، تريد أن تعمل وتعيش بعيدًا عن أي مسئولية، تركت منزل الزوجية بمحض إرادتها رفضت كل وسائل التراضي

فاختارت التقاضي، وقد كانت هذه الزوجة القاسية تستمد كامل تصرفاتها القاسية من امها التي لم تحسن تربيتها ، فالجدة من المفترض ان تكون رحيمة باولاد ابنتها فكما يقول المثل اغلى من الولد ولد الولد ،الا ان هذه الجدة كانت قاسية القلب حبست اولاد ابنتها في الحجرة واخذت الالعاب التي اشتراها لهم والدهم بعد ان طالب بحقه برؤيتهم عندما رفضت الام استمرار الحياة معه وضربتهم بالعصا وتركتهم يبكون حتى عادت الام من عملها واثنت على تصرفات والدتها اعطتها الكرة والسكين لتمزقها كما كسرت السيارة الى ستين قطعة  ثم التفتت للاولاد وقالت:

أنتم ما زلتم تنطقون اسمه، والله لأعاقبكم، مافيش رؤية تاني يا كلاب

عشان تقول له تاني بحبك أد الدنيا

 والكاتبة ارادت ان تقول

مثل هذه الام التي انتزعت الانسانية من قلبها لا تصلح أن تكون أما وان اردت ايها الرجل ان ترتبط بزوجة حنون على اطفالك تحبك وتخاف الله في معاملتها  انظر الى بيئتها وتربيتها , ومما يؤكد ان القاصة لم تنحاز لبنات جنسها اذ جعلت الواقع الاجتماعي الاسري هو المحور الذي تدور حوله قصص مجموعتها وعلى النقيض تماما جاءت صورة الاب صورته القاصة بصورة الاب الرقيق العطوف على اولاده فكان يسرع الخطى وهو في طريقه لرؤية اولاده يحمل لهم

أكياس اللعب والمأكولات ، تسبقه روحه قبل جسده إلى المكان الذي أصبح يراهم به وهويراه أجمل مكان على وجه الأرض ، وهذا  يشير الى حس ايجابي كامن في ذات القاصة فهي لم تتحامل على الرجل بقدر ماكان هدفها  انتقاد السلوكيات الاسرية السلبية في

مجتمعها وتشريحها للبحث عن الاسباب الحقيقية لفشل الاسرة وتشرد الاطفال جاهدة ان تصل الى حل مع المتلقي لبناء مجتمع متماسك يقوم على الحب والتفاهم والقاصة واعية جدا وهي تدرك ان عماد تماسك المجتمع وصحته يبدا من اللبنة الاولى وهي الاسرة  لهذا سعت الى كشف مواطن الخلل في العلاقات الاسرية عن طريق المفارقة فمرة الزوج طيب لاحول له ولاقوة ومرة الزوجة متمردة لاتصلح لادارة الاسرة

كما في قصة (من الخائنة ) تقول الساردة في القصة واصفة طيبة الزوج : طيبة قلبه الشديدة.. إنسانيته الطاغية.. تربيته العالية.. كلها صفات

بالرغم من جمالها.. إلا أنها جعلته مطمعا.. خاصة لمن هم عكس صفاته .

 من هم الذين بعكس صفاته ؟

هي الخطيبة التي صارت زوجة له  بعد ان خدعته بصوتها الرقيق وادبها الجم وجمالها الاخاذ قبل ان يتبين مستوى اسرتها االاجتماعي وماهي الا شهور قليلة حتى اوقعت به للزواج منها فهو عريس لقطة  توافرت فيه كل الصفات التي ترغب بها اي فتاة  وبعد اربعة اشهر من زواج  نيرمين  وهشام سافرت معه الى البلد العربي الذي كان يعمل به ثم تركته لغربته  رغم انه اجتهد كثيرا في عمله حتي يلبي لها كل احتياجاتها متعللة ان ابنها يجب ان يربي في مصر بين اهلها  وعاد الزوج وحيدا.. أعزبا

..

عاشت هي سعيدة بين الأهل والأصدقاء  بعد ان اتفقت مع الزوج ان يرسل لها كل شهر مبلغا من المال، أما الصغير ابنهما فكان من اختصاص اختها أمل التي تقوم على رعايته لكي تتفرغ لنفسها ولهوها

  سعت القاصة من خلال هذه المفارقة، بين الزوج الطيب، والزوجة المتمردة الى توضيح نقاط الخلل في البناء الاسري، والقاصة اشارت بشكل خفي بان مسؤولية الاسرة تقع على كاهل الام وحدها فهي ادانت الزوجة قبل أن تدين  الزوج ووجهت اصابع الاتهام اليها بانها المسؤولة الاولى عن فشل الاسرة او نجاحها ، ومما يؤكد انها حملت المراة مسؤولية الاسرة كاملة، الدور الصغير الذي اسندته القاصة الى الرجل الزوج في قصصها فهو في اغلب  القصص  غائب عن الاسرة اما بسبب موته او بسبب سفره او تمرد المراة الذي أعطى للرجل المساحة الاصغر  في التصرف بشؤون الاسرة ، ومن هذا المنطلق  حملتها المسؤولية كاملة وانه يجب عليها ان تراعي وضع الاسرة بدلا من أن تزيد تفككها وانهيارها ومن هنا نجد هذه النظرة المحايدة لبنات جنسها، والقاصة في اغلب تلك الصور الاجتماعية للاسرة ابتعدت عن نطاق الرمز والمبالغة والتضخيم في تمثيل السمات التي تنطوي عليها شخوص القصص وبذلك اقتربت المجموعة القصصية من الواقع  اكثر من اقترابها من الخيال، كما في قصة (انكسار) التي حملت المجموعة عنوانها

 فقد  جاء عنوان القصة دالا على المضمون ،عندما رصدت القاصة حالة الاستلاب الذي يمتد عميقا في الذات الانثوية المحرومة من التعبير عن حق تقرير مصيرها اذ تحدث المتن عن السلطة الابوية في مجتمع ذكوري او خوف الاب على ابنته بطريقة تسلطية  عندما منع ابنته من الزواج ممن تحب، رفضه متعللا أنه سيكون مزواجًا مثل أبيه، الذي كان لديه زوجتان، هذا الاجحاف بحقها في تقرير مصيرها ادى الى انكسار قلبها .

 لنتامل قولها وهي تقول : أترى يا أبي الآن كيف أعيش وحيدة معذبة! لا أملك إلا ذكريات

أعيش جسدًا بلا روح إنك لا تعلم أن البعد ليس بالمسافات، إنه يسكنني وهو بعيد، وأنا

لا أشعر بكم جميعًا وأنتم بجانبى.

 كما نرى أن البطلة بقيت موزعة الروح بين ماض جميل يحمل ذكريات حبها وبين حاضر كئيب وجدت نفسها تعيشه بجسدها دون روحها، رسمت القاصة عبر ضمير المتكلم عالم الاضطهاد والتمييز التي تعيشه الانثى احيانا في كنف الاب الذي يقوم بتقرير مصيرها نيابة عنها

ولم تنسى القاصة تسليط الضوء على الام التي هي في خريف عمرها ، التي كبر اولادها وانشغلوا عنها اما بزواج او عمل ،كما في قصة ( رقصة الخريف) او قصة ( عذرا ياانا ) والقصتان تدوران في محور واحد . وهي مرارة الشعور عند المراة عندما تتقدم في السن وصولا الى الخمسين، شعورها بالوحدة وصعوبة التفكير بالإبتداء من جديد، الكاتبة تناشد المتلقي بان يشمل تلك الام بعنايته ورعايته فهي بهذا العمر احوج ماتكون الى الرعاية والشعور بان من تعبت لاجلهم وفرحت لمستقبلهم من واجبهم ان يحيطونها بجميل رعايتهم وحسن اهتمامهم وفي قصة (ياانا) التي وسمتها الكاتبة بحس تفاؤلي رغم حالة الوحدة والغربة التي تعيشها البطلة  عندما احتفلت في عيد الحب مع ذاتها لتطرد عنها شعور الوحدة بخلق وقت سعيد مخاطبة نفسها : أنك تستطيعين أن تخلقي لنفسك جوًا جميلا، وحياة سعيدة.. بدون أن تحتاجي لاحد  عليها ان تفكر بمشروع جديد يملا وقتها ملتمسة العذر لانشغال اولادها بحياتهم الجديدة ، اما قصة (رقصة الخريف) نجد حس التفاؤل قد تراجع فيها  صورت القاصة امراة في خريف عمرها مات زوجها وترك فراغا في حياتها جاهدت ان تملا وقتها بالقراءة وسماع الراديو او الاهتمام بزينتها راحت تستحضر ماضيها الانثوي لتستعيد شبابها ، استخدمت صبغات الشعر الا ان الشيب ابى الا ان يشير الى التقدم بعمرها، حاولت ان تستعيد لحظات فرح في حياتها ،تمايلت على صوت الموسيقا، شعرت بالدوار، اختل توازنها وادركت بالنهاية ان صحة الانسان وحيوته تتلاشى مع تقدمه بالعمر، تركت القاصة في القصتين سؤالا للمتلقي ليجيب عليه والسؤال هو: اين اولاد تلك السيدة لينتشلوها من المها وقلقها ووحدتها  ؟ لماذا ابتعدوا عنها وهي في أمس الحاجة اليهم ؟

وهكذا يكون الملمح الأساس من ملامح “المجموعة القصصية انكسار”تشريح الواقع الاجتماعي والثقافي للاسرة وتسليط الضوء على الحمولات الثقافية الخبيئة وراء نسق ثقافي ذكوري حينا  او غير اخلاقي وانساني في احايين اخرى كما في سلوكيات بعض الامهات استطاعت القاصة  بمبضعها الجراح أن تقتطع السلوكيات الخاطئة في المجتمع و تغطي الأبعاد الاجتماعية للمرأة والرجل على السواء

ومن أهم الملامح الفنية : التي استخدمتها الكاتبة المفارقة  الكلية في  سلوكيات  بعض ابطال القصص سواء كانوا رجالا او نساء، للارتقاء بالذائقة الجمالية للمحيط الاسري وتوجيهه

الوجهة الصحية من اجل بناء اسرة متماسكة تقوم على شريكين لا متصارعين لارساء نظرة اكثرحبا وعدالة وانصافا بين الزوجين

اعتمدت القاصة في بعض السرد على السرد التفصيلي مما دل على انها صاحبة نفس طويل وخيال خصب  تصلح ان تكون روائية ناجحة

وفي بعض القصص استخدمت القاصة السرد المختزل الذي يزهو باللغة دون تعقيد وينقل خبرة المروى عنه إلى مخزون الخبرة الإنسانية للمتلقي. من خلال تفاصيل ورؤى ذاتية بمنطق السينما أحياناً، والحكاية أحياناً أخرى،متل قصة النقيب

كما نجحت الكاتبة  في استخدام تقنية المونولوج الداخلي فكان للكاتبة القدرة على استلاب مشاعر القارئ في الولوج  الى مكنونات نفس ابطال قصصها ،كما في قصة ( عذرا ياانا) وقصة انكسار وغيرها…  حيث قدمت الجانبين الملموس من حياتنا والمخفي في نفوسنا بالإضافة  إلى التركيز على القيم الأخلاقية وأهميتها، من خلال تصوير الواقع المفعم بالأحلام والأحزان والآلام معا

واخيرا اقول وفقت الاديبة القاصة (أمينة صالح الزغبى) ان تبرهن بان للادب دورا  حيويا وهو سعيه الدائب في اضاءة مساحات تعبيرية قمعت واقصيت بفضل الانظمة الاجتماعية والثقافية او الطبيعة اللاخلاقية التي نشا فيها بعضهم  نتيجة التربية الخاطئة في الاسرة وهنا يكون دور الادب في السعي للتعبير عن الانسان المهمش والمهمل في مجتمعاتنا، اتمنى للاديبة مسيرة ابداعية حافلة بالنجاح والاصدارات المتتالية لاعمال ادبية متنوعة  .

********************

الاسكندرية في 19/6/2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى