مقالات

 حديث الجمعة الثانية من رمضان لعام 1440 هــ .. “شــــــــريـــعةُ الحُـــــبِّ” .. بقلم د. نهى بلال

بعد ثلاث عشرةَ سنة من الاضطهاد والتنكيل والتعذيب والتشتت والنفي وما لاقوه من المصاعب والأهوال؛ جاء الأمر بالخروج إلى أرض جديدة، فما عساها هي الأرض التي قد يتخذها المرء وطنًا بديلًا لوطنه؟ الوطن دومًا يعيش فينا وليس ما نعيش فيه، لكن مع إرادة الله يحصل لنا كل خير بل إن الله هو مَـنْ يأمرنا بالهجرة إذا ساءت الأحوال وأصبح المسلم غير آمنٍ على دينه” أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا”؟ ومع تغيير الأماكن تبقى البلاد كلُّها بلاد المسلمين والحدود تراب.

خرج النبي مهاجرًا ليؤسس مجتمعًا جديدًا للمسلمين في يثرب(المدينة المنورة)، فماذا فعل القيادي المحنك وهو الرحمة المهداة للبشرية بأسرها؟

لم تكن الخطوة الأولى التى شرع في تنفيذها بناء مستوطنات للمواطنين الجدد بل كان أهم من بناء الدور لسكانها أن يعيد بناء نفسيات المواطنين الأصليين من أهل المدينة بل وإصلاح نفسيات المهاجرين أيضًا من الوافدين الذين خرجوا من مكة فارين بدينهم تاركين بلدهم (وطنهم) وأموالهم وديارهم؛ وبعد الهجرة الأولى إلى بلاد الحبشة كيف عاد المسلمون بأمر ربهم إلى موطأ النبي المأمور من ربه؟ عادوا وكلهم ثقة في ربهم مذعنين فرحين متهللين مؤملين الفرج منه سبحانه، فكانت الهجرة الثانية حيث اختار الله لهم.

في المدينة اتخذ -القائد- النبي صلى الله عليه وسلم منهجًا يُحتذى به، فآخى بين قبيلتي الأوس والخزرج أهم قاطني المدينة – وقتئذٍ- الذين كانوا في تناحر وتشاحن لفترة طويلة؛ فآن الأوان أن يستتب الأمن ويسود السلام بينهم، ثم آخى بين أهل المدينة الذين استقبلوه ونصروه ومَــنْ معه من المؤمنين، فبالحب وحده تقوم الأمم وتبقى إذا تآلف مواطنيها وتكافل كل أبناء الوطن.

وضع النبي صلى الله عليه وسلم الأسس المتينة والقواعد الراسخة التي على أساسها يشتد البناء ويقوى أساسه، فكان منهاجه على أساس الحُبّ شريعةً لكل المسلمين يعيشون متآخين في الله، فما هي تلك القواعد؟ إليكم بعضًا منها،

فتدبر معي آيات القرآن(دستور المسلمين):

” إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (النـــــور: 51)

” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”(الحجرات:10)

” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ “(الأحـــــزاب: 36)

” فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النســــاء:65)

مجتمع المدينة يومئذٍ مجتمع نموذجيٌّ مثاليٌّ تمامًا، يسود فيه الحُبُّ والتآخي بين المسلمين كافة مهاجرين وأنصارًا رجالًا ونساءً” فإنما النساء شقائق الرجال”حسبما أقر لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، الكلُّ سواسيةٌ، والجميع يحتمون بمظلة الشريعة السمحة ولا يجدون غضاضة في تنفيذ أوامر الله ولا في الانقياد لأوامر رسوله الذي لا ينطق عن هواه، فكيف لا يكون مجتمعًا مثاليًا، وكيف لا تكون مدينتهم هي المدينة الفاضلة؟” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ “(الأنبيــــاء: 92)؛ إلههم واحد ونبيهم واحد ودستورهم (القرآن) واحد وقِبْلَتهم واحدة ومسجدهم واحد؛ فكلهم على قلب رجلٍ واحد، يتسيَّدُهم الحبُّ ويعم فيهم السلام والرضا بالأحوال وكدر الأقدار، فكل شيء من الله ومردَّهُ إلى الله.

كان الدرسُ الأول “الحُـــبُّ” أول الدروس المستفادة من الهجرة النبوية” وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) _الحـــــشر،

وعندما تبحث في القرآن منقبًا عن لفظة الحب؛ ستتعجب كثيرًا عندما تكتشف أن جاء ذكر” إن الله يحب …” في آيات كثيرة ولم يذكر القرآن مطلقًا إن الله “يكره” لكنَّ المولى عزوجل حينما أبدى استهجانه استعاض عن ذكر اللفظ المكروه له فقال” إن الله لا يحب”، وفي رأيي أن التعبير بنفي الحُبّ أقوى من إثبات الكره، كما أنَّ الكراهية لا تصدر من ذات لها صفات الكمال وهو له الكمال وحده سبحانه. فهلاّ تدبرنا معًا آي الكتاب والذِّكر الحكيم؛ لنعلم ماذا أحب الله وماذا استهجن:

” وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ”(آل عمـــــران: 146)

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمــــــران:159)

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (المائدة: 42& الحجرات: 9)

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة: 7)

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”(الممتحنة : 😎

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ( الصف:4)

” فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ”(آل عمــــــران:76)

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البـــــقرة: 195)

“وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمــــران:134)

” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” (البقــــــــرة :222)

” وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ” (التوبة: 108)

“إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقــــــــــرة : 190)

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا” (النســــــــاء: 107)

” وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ”(البـقــــــــرة: 276)

” وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ” (البقــــــــــرة: 205)

” فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ” (آل عمــــــران:32)

” وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” (آل عمــــــــران: 57)

” إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (المائدة: 141)

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا” (النســــاء: 36)

” لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا” (النســـــاء: 148)

” وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (المائدة: 64)

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (المائدة: 87)

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ”(الأنفال: 58)

” إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ”(النحل: 23)

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ” (الحج: 38)

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ” (القصص:76)

” إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” (الشورى: 40)

ولكي تسود شريعة الحُــبِّ فلابد أن يعلو الإيمان ويجد المؤمن لذة الإيمان في كل فِعاله فيكون أمره كله له خيرًا، ويتخذ الحبُّ صورًا متنوعة بمسميات عديدة:

مع الله: طاعة معروفة.

مع النبي: امتثال واقتداء.

مع الدين: جهاد وبذل النفس افتداءً.

مع الناس: حسن المعاملة محسنًا.

مع الأخوة: مؤاخاة وتآلف.

مع الزوجة: مودة ورحمة.

مع النفس: مجاهدتها لئلا تقع في المحرمات، وسوقها إلى ما ينفعها.

وفي كل الأمور فإن الله وحده هو مَــنْ يرشدنا إلى ما فيه صلاحنا وإصلاح أحوالنا، وبالإيمان التام نُقاد إلى الرشد ونصيبُ سبيل الرشاد إذا اعتصمنا بالله وحده واتخذنا شريعته منهاجًا قويمًا تعتدل به الحياة وينصلح بها أمرا الدنيا والآخرة” وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ”، وكذا بالامتثال لأوامر نبينا صلى الله عليه وسلم الذي جاء بشريعة الحُبِّ ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ “(آل عمـــــــــــران: 31)؛ فكان رحمةً للعالمين.

 

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق