مقالات

“خروف أثيوبي ” .. بقلم د: إلهام الدسوقي

يهُلُّ علينا عيد الأضحى كل عام مذكرنا بأمتع اللحظات في بيوت العائلة، حيث أيادينا الناعمة الصغيرة تنتظر الصباح بفارغ صبر؛ لتنال العيدية، جنيهات قليلة، ترسم السعادة والأمل على وجوهنا في قضاء يوم مليء بالمفرقعات والصواريخ واللعب في الساحة أمام المنزل مع من تطيب له النفس وتستقر في مقلتيه.
تتطلع أعيننا لملابس العيد المعلقة على الحائط وراء الباب المغلق؛ خوفاً عليها من الاتساخ قبل أن تصبح أجسادنا أول لامسٍ لخامتها الناعمة، تشعرنا بالنشوة والرقي وسط الأقران، نقارن الزخارف المرسومة عليها والكلمات المعبرة عن نشوتنا بها.
ذكرى العيد ترتبط في مخيِّلتي بالخروف الذي كنَّا نلعب معه ليال، ونقدِّم له الماء والذّرة، وفي بعض الأحيان نمتطيه حصانًا يناسب أرجلنا الصغيرة، مستمتعين بفروته الغنية قبل أن نراه يُذبح أمام أعيننا وهو يزرف الدمع لفراقنا، بعد أن أصبحنا عشرة أيام لا تُنسي، ولكنها تطبيق الشريعة بما أمر الله عز وجل.
حتي كان اليوم الذي أحضر فيه والدي خروفًا غريبَ الشّكل، ضخمًا كالعجل بدون الفروة المعتادة التي كان يأتي الحلّاق؛ ليجزها وبدون المؤخرة الممتلئة بالدهون التي كانت مخزون من الخير لشهر كامل، استغربت منظره الغير مألوف، سائلة والدي: ما هذا؟ فيجيبني بأنه خروف إثيوبيٌّ تربّي في المناطق الخضراء على العشب في أعالي النيل، خيرات المراعي الواسعة جعلته ينمو حتّي صار كعجلٍ ذي أرجل قصيرة.
قضيتُ ليلتي ألاعبه حتّي يستأنس بنا فلم يستجب، حاولتُ معه بكل محاوراتي أن يأكل من يديّ، فرفض وشاحَ بوجهه بعيدًا عنّي، وضعت أمامه طبق الماء فضربه برأسه معناً رفضه الصداقة، فما كان مني إلا أن ضربته ضربة خفيفة حتي ينتبه فثار وهاج واعتقدتُ أنه سينطحُني بقرونه، ولكنِ اكتشفتُ ألّا قرونًا له، وهو عاجزٌ علي النّطح. فعاقبته بضربةٍ قويّةٍ مغتاظةً منه لعدم الانصياع لأوامري.
انتظرتُ حتّي صباح العيد، ليس لرؤية الذِّبح والتحسُّر على الصّداقة، ولكن للخلاص منه، فلم يستمتع بصداقتي أنا الطفلةُ المحبوبةُ ممن أصادقهم حتي الحيوانات.. لمحتُ الجزّار لدى الباب، فناديتُهُ سريعاً؛ لينجز مهمته، فاليوم يوم اللّعب بالصواريخ وشراء الحلوي بعيداً عن رؤية من عاداني ليلة أمس.
لا أنكرُ أنّه قد أعطى الكثير من اللّحم الأحمر الصّافي، بعيداً عن الشّحوم الّتي كانت أول الأجزاء المطهية في المنزل، والتي كنّا نتسابقُ؛ لنيل جزءٍ منها في الرغيف البلدي المقسوم نصفين، إلا أنّ ذلك كان مصدر تعاستي فلم أصادقه أو العب معه، وحتّي لم أستمتع بمذاق دهنه المحبّب.. لم يستوعب ذهني الحدث، فالعيدُ لا يكتملُ إلا بوجود الخروف البلديّ ذي الليّه المتمايلة على الجانبين عند سيره إلى المطبخ؛ باحثاً عنّي يستدعيني؛ لأضع له البرسيم، ويستمتع من أكل يديّ. فحمدت اللّه أن تخلصتُ سريعاً من الخروف الإثيوبي منصرفةً عنه إلى ملابسي أهندمها؛ للتباهي أمام أصدقائي.
أما عن الخروف الاثيوبي الذي ذُبح في أولّ أيّام العيد، فلم يستطع والدي أن يردَّ على سؤالي بأنه غير مكتمل، فأين المؤخرة الدّهنيّة والفروة الغنيّة والعينين الباكيتين على الصداقة

…………….

عيد سعيد على الأمة الإسلامية وأصدقائي جميعاً

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق