مقالات

د. نهى بلال تكتب : التوحيد .. !!

التوحيد إقرار العبودية لله وإنه لأعظم وجه لعبادة الله جل وعلا؛

التوحيد هو تمسك العبد بعبادة الله وحده متجردًا من عبادة سواه مخلصًا له وحده مع تمام الإذعان والانقياد والامتثال.

حين يسأل المسلم نفسه: هل يعلِّمنا الله أنه الخالق ثم يؤاخذنا بما علَّمنا؟

#الإجابة: إن الإنسان هو مَنْ أقر بنفسه بالعبودية لله وأقر له أنه الخالق وحده” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (الأعــــراف: 172)

إذًا لم يبقَ مخلوق من بني آدم إلاَّ شهد وعلم وأيقن أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق ولا رب سواه.

فلم قد ينكر كلُّ ذي لبٍّ ألوهية الله وربوبيته؟

#الإجابة أيضًا بكل بساطة: أن الإنسان بفطرته السوية يدرك الله ويعلم علم اليقين أن الله هو الخالق الباريء ولكن إشراك العبادة لغير الله ولو بالتقديس دون أداء عبادة لغيره أو تعظيم غير الله فهذا هو مدخل الإخلال بالتوحيد وهو الركن الركين في الإسلام وعليه تُبنى جميع العبادات، فإذا انتقص هذا الركن صار البناء هشًا أو لا أساس له.

#الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”(آل عمـــران: 85)، ومعناه أن يستسلم العبد لما أمره الله به من التزام الطاعة واجتناب عصيانه فيما نهى عنه؛ وكان هدف جميع الرسالات السماوية ترسيخ مبدأ التوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده وإخلاص العبادة له سبحان دون إشراك أي ممن خلق”فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ “(البـــــقرة: 22).

جاء الرسل كلُّهم برسالة واحدة ودعوة واحدة هي الدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة غير الله واجتناب الطاغوت وعدم اتخاذ أنداد من دون الله؛ فحمل الرسل والأنبياء هذه الأمانة وأدوها كما أراد الله بل ما قد أتعجب وتتعجب منه أيها القاريء هذه المواقف التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن العظيم”أحسن القصص”، فرغم أن جميع الأنبياء والمرسلين نادوا بالتوحيد وجعلوه قضية الحياة ودعوا إليه حتى ليدهشك هذا الموقف العجيب من سيدنا يوسف-عليه السلام- ومَـنْ يوسف وقتئذٍ؟ إنه شاب مسجون بتهمة شنيعة (محنة شديدة وكرب عظيم)ومع إحساسه بالظلم وظلام محبسه، كانت العقيدة هي النور الساطع الذي ملأ نفس يوسف فالتجأ إلى الله وقد امتلأت نفسه يقينًا بنصر الله فدائمًا تكون الغلبة لرسل الله والمؤمنين” إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ “(غافــر:51)، فمهما طال ليل الظلم فلابد له من انقشاع، هكذا كان يقين يوسف فلم تخُرْ عزيمته ، ولم تفترْ جذوة دعوته، ومع معاناته لم ينسَ هدف حياته” الدعوة إلى الله”، جلس في ركنه مناجيًا ربه متعبدًا حينئذٍ اقترب منه شابان مسجونان أيضًا معه، أرادا الحديث معه فتقربا إليه بإطراء رقيق”إنا نراك من المحسنين”، كيف علما أنه محسنٌ؟

#الإجابة واضحة بينة فأعظم إحسان المرء هو إحسانه إلى نفسه أولًا بعبادته لله وحده، وكان يوسف-عليه السلام- متعبدًا محسنًا، ومَــنْ يكون أحسن الناس خلقًا إن لم يكن الأنبياء والرسل وتابعوهم بإحسان؟ وكيف يصل هذا الشاب إلى هذه المكانة في القلوب حتى ينعتوه ب” الصِّديق”؟

قصا على يوسف رؤياهما:

” قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ “(يوسف: 36)،

لماذا لم يجبهما يوسف من فوره وهو الخبيرالمتمكن في التأويل؟ لكنه لم يتعجل الإجابة وانتهز هذه الفرصة ليدعوهما إلى عبادة الله الواحد جاعلًا بين يديه برهان آخر على تأييد الله له بالآيات مصدقًا لِمَا جاء به

” قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي “،

ثم بعد أن استرعى انتباههم أكمل هدفه في السياق نفسه مجيبًا عن أسئلتهما:

_ولماذا تركتَ ملتنا أيها الصديق؟

_” إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37).

فقالا مشدوهيْن:

_ فأي ملة قد اتبعت؟؟!!

رد يوسف مطمئنًا وبكل ارتياح أردف:

_”وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ “(38)،

_لكن كيف نترك ملة آبائنا الأولين ونعبد إلهًا واحدًا؟؟

_ ” يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ”؟؟ (39).

_هكذا وجدنا أباءنا إياهم يعبدون ثم نحن فعلنا من بعدهم.

رد يوسف ردًا قاطعًا:

_ ” مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوســــف: 40).

أنهى يوسف الصديق مهمته الأهم فَـخلص إلى تلبية حاجتهما في تأويل الرؤيتيْن” يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (يوســـف: 41).

تعلمنا من هذا المشهد من قصة الصديق يوسف عليه وعلى جميع أنبياء الله ورسله وعلى نبينا محمد أزكى الصلاة والسلام أن الدعوة إلى توحيد العبادة لله وحده هدف الحياة الأسمى وهذا واجب على كل مسلم أن يدعو إلى التوحيد بالنصح والتوجيه وهذا هو دورنا؛ فالتناصح مبدأ إسلامي قويم”الدين النصيحة”، وعلى ذلك فإن

تنقية العقيدة من كل شائبة لهو أَجَلُّ هدف يحيا لأجله الإنسان، ولا تكون تنقية العقيدة إلا بتنقيحها من صور الشرك والإشراك في العبادة، وهذا ما سوف نستكمله إن شاء الله في أحاديث قادمة.

بقي أن نستكمل الحديث بخاتمتين:

#الخاتمة_اﻷولى ختام قصة يوسف -عليه السلام- “رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ “(يوســــــف:101)،

ليكون #الشاهد من القصة كلها هو أنه مهما انشغل الإنسان وضاقت حوله حلقات الدنيا تزيده كَّبدًا ومشقة وابتلاءات فلن يجد مخرجًا إلا بالالتجاء إلى ربه سبحانه، وعلى الإنسان ألا يتحول قلبه عن توحيد ربه وتمجيده مهما لقي من مصاعب ومتاعب وابتلاءات مع اقرار العبودية لله وحده واعلان الاستسلام التام لرب العالمين على شريعة واحدة هي شريعة الإسلام” تَوَفَّنِي مُسْلِمًا” على أساسها المتين التوحيد لله ربًا وإلهًا لا شريك له.

#الخاتمة_الثانية ارتضينا الله لنا ربًا؛ فارتضى الله لنا الإسلام دينًا ومحمدًا نبيًأ ورسولًا بل خاتم أنبيائه وجعل لعقيدة التوحيد قواعد راسخة فتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك” إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)_ آل عمــــــران.

عمل النبي صلى الله عليه وسلم على حماية جناب التوحيد فكان أحرص ما يكون على عقيدتنا ولم يتهاون أو يهادن فيها أحدًا حتى لقي ربه وقد أتم رسالته على أكمل وجه” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”(المائـــــدة: 3).

#الشاهد من الخاتمتيْن- بفضل الله- أن التوحيد أساس العقيدة؛ فاخلاص العبوية لله وحده اعترافًا واقرارًا بألوهيته وربوبيته لا شريك له هو هدف الحياة وبغية الإنسان وغايته للوصول إلى رضا مولاه عزوجل” رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( المائــــــدة: 119).

في نهاية مقالي أدعو الله عزوجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ونحن ننعم بتوحيده ونقر له سبحانه بعبوديتنا له، حتى يرضى عنا ويكتبنا مع الشاهدين “رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ”_ (آل عمـــــران:53) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.