مقالات

رؤية نقدية للمتوالية القصصية “طريق الأفاعى” للأديبة منى عمر .. بقلم: محمود عوضين

 

على طريق الأفاعى ، أمضى بقلمى ، فى رؤية نقدية “انطباعية” للمتوالية القصصية ، للأديبة “منى عمر” بعنوان ” طريق الأفاعى” . ولأنها فنانة فقد كان أول مايطالعنا ، غلاف برؤيتها يضم بين دفتيه ، ثلاثة وثمانون قصة ، الغالب الأعم منها قصص قصيرة جدا ، والغلاف بنى قاتم ، موسوم بالعنونة والرسم بلون بنى فاتح ، وكأنها تعلن منذ اللحظة الأولى بهذا اللون الفاتح عن إشراقة أمل ، تتحدى قتامة الطريق، وتؤكد الثبات والإرادة ، التى توحى بها تلك الأعمدة الراسخة فى ثبات على الغلاف ، ومن بينها تطل الأفعى برأسها على استحياء، دون أن تطاول تلك الأعمدة. وقد كانت موفقة فى اختيارها للون البنى، فبحسب دلالات الألوان، وتأثيرها على سيكولوجيا الإنسان ، فإن اللون البنى يمنح الشعور بالواقعية والاستقرار والاسترخاء والرزانة والقوة والدعم والحماية والثقة والشعور القوى بالواجب والمسئولية ، والأمان والتحمل والهدوء والانتماء والطمأنينة والصدق ، والحذر والترقب والانتباه والخوف ، وفى بعض الأحيان يعبر عن الحزن والوحدة

والمتأمل لهذه النصوص ، سيستشعر هذه المعانى بدرجة أو بأخرى ، فى هذا النص أوذاك . وبداءة ، فإن هذه النصوص تحمل بامتياز خصائص النثر الفنى ، ومقوماته ، من رمزيات وصور جمالية ، أبدعت فيها الكاتبة ( الفنانة ) وكأنها ترسم بريشتها ، وليس مجرد أن تخط بقلمها حروفا وكلمات .

إلى جانب توظيفها لأبعاد الزمان والمكان، والشخوص، والمعانى ، والمبانى، فى مهارة ، تدفع للمتلقى بمشاعر ، و أحاسيس يتشارك بها مع الكاتبة فى تفاعل حى ، يؤكد صدق التجربة الفنية ، المعبرة عن ذات الكاتبة أوما تتمثله من تجارب حياتية لاّخرين .

وفى هذه الرؤية الوجيزة ، اتناول بعضا من نصوص الكاتبة ( وليس شخص الكاتبة ) التى شاءت فى قصة (طريق الأفاعى ) والتى اتخذتها عنوانا لمصنفها الأدبى ، أن تحذر ولدها من السير فى طريق الأفاعى ، وهذا التحذير لم يكن من فراغ ، ولكنه تحذير صادر من موقف تعايشه “فقد كانت إحداهن تضغط على عنقها بقوة “.

وفى قصة أخرى ، تعبر فى بلاغة عن فحيح الأفاعى ، فى صورة شديدة التأثير ، تقرن فيه (فحيح الأفاعى) بالأنغام ، وكأنها من شدة الخداع تريد أن تقول أن ( أعذب القول ليس دوما صادقا ) فما ان جذبتها تلك الأنغام الحالمة .. وراحت تتمايل فى دلال وترشف من تلك الكأس اللعينة حتى تلاشت فى صمت على أنغام فحيح الأفاعى !..

وفى قصة ثالثة ، لاتبرئ الأنثى من مكر الأفاعى:” على مرفأ القلب حاصرته تمائمها.. فلماهام بها .. راح يلعن مكر الأفاعى !.. وفى هذه القصص الثلاث أرادت الكاتبة أن تعبر عما تزخر به الحياة من خداع وزيف وأكاذيب ، وكأنها تدق الناقوس محذرة من هذه المثالب ، لتصفو الحياة ، وتتطهر ويعيش الإنسان فى صفاء ونقاء .

ولا يستطيع المتلقى وهو يطالع ، نصوص هذا المصنف المعنون :” طريق الأفاعى” أن يتغافل عما يحتويه من قصص ، تتشابك مع التجارب الحياتية، والتى تتلامس مع مشكلات اجتماعية ، يئن تحتها المجتمع الذى نعيشه ، بما يحفل به من عذابات وتهرءات .

ففى قصة”صدمة ” تعرض لقضية خطيرة ، تهدد بنيان الأسرة ، وهى الإجبار على الزواج ، فى تحد لقانونه الأساسى ، الذى يقوم على الرضا، فبعد أن “أودعها مثواها الأخير وجلس ينتحب متصفحا ما دونته عبر السنين : لقد أجبرونى على الزواج به .. لم أستطع أبدا أن أحبه. وفى قصة “تيه ” تعبر عن عدم التوافق الزوجى وما قد ينجم عنه من ارتياد لبحر الخطيئة .

وفى هذه القصة القصيرة جدا برعت الكاتبة فى التصوير الفنى عن القضية التى تناولتها ، مستخدمة لكنايات فنية شديدة الدلالة : عزف كثيراعلى اوتارها ..لكنه لم يطربها !..فقد كانت تهرول بين ساحات من التيه .

ولم يغب عن الكاتبة فى قصة “غربة ” أن تلفت الانتباه إلى مايترتب عن الغربة ، وترك الأسرة وإغراق البعض فى الجرى واللهاث وراء المادة ، ثم العودة بعد سنين طويلة ، والعجز عن استدراك مافات ، وتكون السنين فعلت فعلها الطويل الأمد : فحين عاد من غربته حاول أن يتصالح مع السنين ووضع فيها كل اّماله .. لكنها أشاحت بوجهها بعيدا عنه !..

وقريبا من هذا المعنى أيضا ، ما أوردته الكاتبة فى قصة ” فراغ ” : “أراد أن يوفر لهم عيشا كريما فانشغل .. ولم يعد هناك وقت لها .. حينئذ تململت.. وراحت تيحث عمن يملأ الفراغ الذى يتمطى حولها .. وبين ضلوعها ” .

ولم تغفل الكاتبة التعبير عما تقدمه الأم من تضحيات فى سبيل الأبناء رغم ماتعانيه من عذابات مع بعض الأزواج ، وذلك فى قصة ” إمرأة بلا قلب”. وعن الخديعة الكبرى، تتناولها الكاتبة فى قصة “قلب لكل النساء :” ظنت أن مفاتيح قلبه بيديها .. حتى اكتشفت يوما أنه يمنحها لكل النساء !..”

ولأن الكاتبة لم ترد أن تعيش فى عزلة عن الحياة العامة ، فقد أشارت إلى بيئة الفقر والعوز والجهل التى تفرخ الإرهاب ، فى قصة قصيرة جدا بعنوان” الإرهابى”: أعياه العوز ولم يكن يفقه شيئا ، فتلقفته أيديهم وصنعت منه قنبلة موقوتة ” . وعن الزيف الثورى ، تورد نقدا للأدعياء ، فى قصة ” تمتمات “:

وفى بعض من القصص ، نلحظ مشاهد من التناص مع اّيات كريمة : ففى قصة تمتمات ” غلبتهم شقوتهم ” و”سنوات عجاف ” فى قصة الهدف ، وفى قصة جحود ” التقطه بعض السارة “.

وإذا كانت الكاتبة قد أجادت فى التعبير عن ( الغيريات) فيما ذكرته سابقا ، فقد كانت شديدة البراعة فيما تمثلته من تعبير عن الذات ( أى ذات ) وخلجات الذات ، وهنا أتوقف أمام روعة الإهداء اللافت ، الذى توقفت أمامه كثيرا ، فهو إهداء عميق المعنى ، قوى الدلالة ، على الوفاء الأبدى للعزيز الراحل ، فى تواصل دائم ، كما تقول : “مع من علمنى معنى الحياة ” ، وتشابك وتمازج معا رغم الرحيل ، وتعايش مع روحه الجميلة. هذا الإهداء ، ينبئ عما يفيض به وجدان الكاتبة من مشاعر ، وتوحدها مع عزيزها ( الغائب الحاضر ) الذى يمنحها الشعور بالتخلى عن الكل والاستغناء عن الجميع : “سيبقى نبضك فى قلبى ..وستبقى كل الحب ،وكل الحياة ” . دون شك : إهداء ينطق صدقا ، ويرتقى جمالا فى التعبير عن التجربة الشعورية بلغة شاعرية غاية فى الارتقاء .

وسلمنى هذا الإداء بالغ الروعة والوقار، إلى قصة ” لحظة فارقة ” وهى الدرة الثمينة فى هذا المصنف الأدبى المتميز ، وفيها كل معانى الحب بأسمى معانيه ، والوفاء بأجل مايكون الوفاء ، والرضا بأقدار الله ، والتشبث بالحياة والإصرار والعزم على مواصلة الحياة فى عزة وكبرياء ، فى فصل ثان من الحياة تستشرف فيه المستقبل مع زهور ثلاث يانعة بإذن الله ، فى ثوب جديد ترتدى فيه قناع الرجل القوى ، حتى يخشاها الجميع ، وهو ماتعبر عنه فى قصة “كينونة ” وها هى الاّن نجمة يشار إليها بالبنان .

**********************************************************

كاتب المقال :

وكيل وزارة الثقافة “سابقاً ”  

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى