فن وثقافة

           “رسائل جدتي” ..  بقلم : د.نجلاء نصير  .. قصة قصيرة

كانت جدتي تجلس بجوار الشرفة في النهار لتشاهد حركة الحياة التي زهدتها بعد وفاة جدي وهجرة ابنها الوحيد ، وفي المساء تستدعي ذكرياتها وتحدق في السماء وتخفي عبرات عينيها حتى لا أشاهدها منهارة  ، فقد كانت جدتي  قوية ، مؤمنة بقضاء الله وقدره لكنني كنت أسمع أنين صمتها وأقرأ شفرة حزنها التي  باتت واضحة للجميع منذ أن هاجر خالي وتركها بمفردها، أبت أن تترك بيتها ، وكلما حضرت إحدى بناتها كانت تؤكد عليها أن تعيد كل شيء كما وضعه خالي ، كانت تحتضن ملابسه وتبكي وتتمتم متى ستعود ابني  الحبيب  ؟!

من  سيحملني لقبري  ؟!

كنت  أشاهد كل هذا وأتعجب من خالي الذي حزم حقائب أسرته ورحل على وعد أن تلحق بهم جدتي في القريب  العاجل  .

كنت بالصف السادس الابتدائي  حين هاجر خالي وكنت أعيش مع جدتي لأنها لم  تكن ترغب في تقييد حرية أحد ببيته ، وكانت  تعانق  ذكرياتها  في بيتها الذي  كنت أشعر براحة  كبيرة  فيه ، فقد  كانت جدتي  أمي  التي  ربتني  وأتذكر  أنني  كنت أقول  لزميلاتي  بالمدرسة أن لي  والدتين  ، كانت جدتي  تضحك  حين  تقص  عليها أمي  ذلك  فقد كنت أذهب  إليها يوميا  وكنت أقضي العطلات  عندها  بعد  وفاة  جدي  حتى لا تشعر بالوحدة  ، وحين تزوج خالي  معها  كنت أذهب  إليها يوميًا  وحين  هاجر خالي  أقمت  معها  ، كنت أتعلم منها وأحاكي أفعالها ، كانت جدتي طيبة القلب جميلة الطلة ، الجارات يحببنها ويلقين بأسرارهن إليها  ، تذهب إحداهن إليها  وهي مضجرة  وتريد  أن تهد معبد  حياتها  ، وتخرج  وهي  راضية بما قسمه  الله لها  ، لم أرها تخبب امرأة  على  زوجها  أو تشي  بها  لأحد  ، علمتني  أن الأسرار  أمانة  ولا  يفشي  السر إلا  خائن  ، كنت أتلذذ  طعامها الذي تبدأه بالحمد وتنهيه بالشكر والحمد .

فالحياة  مع جدتي  أشبه بقبس  نور  في  ظلمة  الواقع  ، كانت ترى  أنني  أسبق  عقلي  وكانت  تبادر برقيتي   ، كانت  تقص  عليّ أسرارها  التي  لا تحكيها لبناتها الثلاثة ، لكنها  كانت صارمة  فحين  تجتمع نسوة  العمارة  عندها  تطلب  مني  الانصراف  فلا يجب  أن تجلس  الفتيات الصغيرات  مع النسوة  ، كنت أتوارى  وأنا  مضجرة  لماذا  لا تجلس  الصغيرة معهن  ؟

ولماذا  لا  أشرب  القهوة  مثلهن ؟!

كنت  أتلصص على  جدتي  وأتمنى أن يبرد  فنجانها لتتركه  وتطلب مني  أن أسكبه  فلا فائدة  من القهوة  الباردة  فهي  أشبه بجبل من الثلج يمر في أوصال العمر ليخدره ، كان خالي يرسل  خطابًا  كل  شهر ، وكانت جدتي  تتحسسه  بحنين  أم  تمنت  ألا تضع  طفلها ليظل  ملتصقًا بها بحبله السري  ، ولكن  خالي  التهمته الغربة  وقطع  حبل الرسائل  ، مرت  أربعة  أشهر  وجدتي  تتدهور  حالتها الصحية  ، كنت  أسمع  أنينها  وتوسلها  إلى الله على سجادة الصلاة  وكيف تتمنى عودة ابنها ورؤيته  قبل  موتها  ، وتوالت  الشهور وانقطعت  أخباره  ، كنت  بمكتبة المدرسة  أقرأ  كتابًا لـ (مصطفى  محمود) ، لاحظت  مشرفة  المكتبة  أنني لا أقلب  الصفحة  ، فاقتربت  مني  وسألتني  عن سبب هذا  الحزن  ، فلم  أجب ، وتعللت بإرهاق  المذاكرة تمنيت  أن يمر  الوقت  بسرعة الصوت  لأذهب  لجدتي  وفي  طريق  العودة  ذهبت  إلى المكتبة  لاشتري  أوراقًا للبحث  ، فخطرت  لي  خاطرة  فاشتريت  عدة  أظرف بيضاء  صغيرة  مع الورق  ، ورجعت  وتناولت  الغذاء مع جدتي  التي  اعتزلت  الجلوس بجوار  الشرفة  ولازمت  الفراش  بعد  أن  اعتل  قلبها  بسبب  حزنها  ، وضعف  بصرها بسبب البكاء ، كتبت  خطابًا  ووضعته  بالظرف  الأبيض الصغير  وتسللت  لغرفة  جدتي  وسرقت  خطابًا  ووضعت  في  الظرف  خطابي  وخلدت  للنوم  ، وفي  صباح يوم  الجمعة تعللت  بالنزول  للمكتبة وحين  عدت قلت لجدتي  خالي  أرسل  خطابًا بالأمس وتركه ساعي البريد عند الباب  ، ولم أره إلا اليوم  وجلست  أقرأ  الخطاب  وكأن  جدتي  ترشف  من نهر  الأمل  ويتورد  خدها  ويدب  في أوصالها النشاط  من  جديد ، ختمت الخطاب  بوعد  المراسلة  كل  أسبوعين  ، مرت  السنون  حتى  أصبحت  في  عامي  الجامعي  الثاني وجدتي  تواظب  على  الاستماع  للخطابات  وأكتب  الرد  وأدعي  أنني  أرسله  ، وهكذا دواليك  وفي  ليلة  يوم  الخميس  طلبت  مني  جدتي  أن  أجلس  إلى  جوارها  وأخذت تقص  على  حكايا  لم  أسمعها  من قبل  وتبادلنا الضحك  وكلما  توقفت  عن الكلام  كنت أطلب  المزيد  من الحكايا  ، خبرة  عمر  جدتي  وهبتها لي  وكأنها لم يكن  لها  من الاحفاد الإثنى  عشر سواي  ، طلبت  كوبًا  من الماء  ، شربت ودعت  لي  وتبسمت  وقالت  : كنت  أعرف  مصير  فنجان قهوتي  البارد  .

وأعلم  أيضًا بأمر  رسائلك  التي  تنسبينها لخالك  لتسرحي عن قلبي  جزاك الله الجنة  ابنتي  الحبيبة  ، بكيت  وقبلت  يدها  وقلت لها سيعود يا أمي  سيعود  .

قالت  : حينها أكون  بقبري  ، شعرت  بألم  في صدرها  أعطيتها  حبة دواء تحت لسانها  ، مكثت بجوارها ، لكنها شددت على  ذهابي للجامعة  في الغد  .

قلت :لن أذهب  وسأظل  بجوارك  لكنها أبت  وفي  المحاضرة الثانية  شعرت بقلبي  يخرج  من صدري  كطائر يهاجمه  الصياد  البارع  ، كانت جدتي  لفظت  أنفاسها الأخيرة  دون ان تتحقق أمنيتها في رؤية  ابنها الوحيد  .

عاد خالي  بعد  مرور أربع  سنوات على  وفاتها  وطلب  مني  أن أصطحبه  لقبرها  ، أبيت  وسلمته رسائلها التي  لم ترسل إليه .

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});
الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق