ادب

شارع الباجوري وحكايات سليمان القلشي .. دراسة نقدية بقلم : الأديبة إيمان أحمد يوسف

عندما تصفحت غلاف الكتاب انتابتني فرحة لقاء الذكريات وقررت أن أغوص مع الكاتب سليمان القلشي فى حكاياته نبحر سوياً فى سفينته التى منحها للتجوال فى حكايات من الحياة وبالتأكيد سيأخدني معه فى صحبة الماضي نتجول فى شوارع ما سبق وخصوصاً أن وجه الغلاف بطعم الشعب والبساطة والتلقائية سيمنحني السهل الممتنع وتخرجني من الواقع وفلسفاته والتراكيب اللغوية فوافقت أن أكون معه ولأنه اختار غلافه بعناية ومدلول على المحتوى الداخلي لسطور الحكى وهو قهوة بسيطة عليها بعض أفراد من المجتمع ينظرون بشغف ويجتمعون يتابعون شاشة تليفزيون الشعب وعلى الجانب الأيمن أسفل الغلاف وجه الراوي أو السارد وهو الكاتب يتأمل المشهد الجمعي ويبدأ بمشاهد من الحياة. يعود بي لحكي الأجداد ويلمس طرف الروح ومساحات ما خلف الحاضر ونبع الكلمات والمصداقية الدافئة بمحبة الثواني التى تمر على القلب بسحر الأحبة ومشاعر الأماني وعناق إطلالة الماضي وغنائية تنهض فى الوجدان بحنان الود العميق المتفرد بشفافية التأثير. وتفتح داخلنا فيضانات الهروب للتجارب السابقة وريعان الشباب والصبا ويسر تعاطي ظلال النور والطيبة فى النفوس البشرية. السرد موهبة كان الأجداد بارعون فى طرحها على موائد السنوات لتخرج من هذا السرد بمعرف وخبرات وجماليات تسحر الفضول لتجد ذاتك العطش دائما للمزيد لتكون سيكولوجيك وآفاقك وقدراتك من هذه الدفقات العازفة على أوتار الأيام قبل أدوات التواصل الاجتماعي الحديثة من الانترنيت والأجهزة التى تشاركنا الحياة بعنف الحداثة. وتسرق منا الأعمار وود التجمعات الأسرية والعائلية والصداقات الحميمة.

   والآن قد حان الوقت لدخول عالم الكاتب سليمان القلشي وشارع الباجوري سأجلس معه على قهوة حكايات من الحياة أحتسي كوباً من الشاي بطعم الذكرى بين السطور ودهشة الطرح من شجر ثمار اللحظات نفتح باب الحكايات على الإهداء يهدي الكاتب عمله إلى (ولدي احمد سليمان) أقرا هذا الكتاب جيداً فهو جزء مهم من تاريخ والدك والإهداء الثاني إلى (أهلي فى شارع الباجوري) والصفحة الثانية أتقدم بالشكر والامتنان إلى كل الزملاء الذين كانوا لي عونا فى إصدار هذا الكتاب “الشاعر الكبير أحمد سويلم ومحمد هشام عبية وحاتم صادق ومحمد حمايل ومحمود رمضان.. من الإهداء الذى بدا بفعل الأمر “لابنه أحمد” أقرأ هذا الكتاب ولكنه أيضاً يأمره بحب ودافع قوي لما يحتوى الكتاب من أهمية فائقة تشرح وتجول وتصول وتعايش سكنات ميناء حياة الكاتب وما يخبئه من موهبة وتاريخ مفردات خلف جاذبية وطرح الكلمات فهي من قلب وعمر وعشق وزرع وبذور خط اللحظات والإنسانيات والخبرات المتبادلة والفلسفات والأيدلوجيات المجتمعية المحيطة والمعاشة بين مسعى اكتوى بها الكاتب حيناً وعايش جمالياتها أحياناً وتآلف معها واختلف أيضاً بالأعراف والتقاليد السائدة والمقاصد المتعودة سواء النبيلة أو عكسها.. الكاتب يقدم لولده وجبة مفضلة لديه ويأمره أقرأ هذا العمل جيداً ولا تمر عليه مرار الكرام أو على عجالة. بل خذ منه ما يستحق أن يكون ميراثاً من الخبرات والأفكار والمعتقدات لأن هذا الكتاب هو أنا وتاريخي فأتصفح بعناية فائقة لأنك جزء منى فلك أنا وتاريخي يا ابني وتاريخ مجتمع تعايشت معه فى كل ظروف الحرب والسلام والحب والظلم والقرية والغربة والمدينة.

 وأما تقديم الشكر فيدل على أن الكاتب.. يمنح كل ذي فضل فضله ويحسن اختيار الأصدقاء والزملاء والأخيار الذين حملوا معه حكاياته وأدرجوها على بوابات التنفيذ والتعليب والظهور للنور منحوه الهمة لإصدار هذا الكتاب الذى منحه تأشيرة دخول التاريخ السرد لأنهم أحسوا بأنفسهم داخل الأحداث والمجتمع المصري وثرائه وموروثاته.

   وأما الإهداء الثاني (إلى أهلي فى شارع الباجور) من الواضح ارتباط الكاتب وانتمائه إلى عاطفة الولاء ومفهوم المحافظة على أصولية النشأة والاعتراف بجميل الآخر وإدراك معنى امتزاج الأرواح وتداخلها فى دائرة الوجدان الشعوري بجمال الصداقة والجيرة وغني النفس الأصيلة بملكات الإبداع للاحتضان العائلي والأسرى كعادات وتقاليد مصرية نشأ عليها وهذه التركيبة النفسية السوية التى تعتني بفضل الآخر وقدراته ومهاراته فى تكوين الشخصية من الصبا وحتى جاء وقت تحرير كتابي لأصحاب الفضل فقرر وعى الكاتب أن يمنح هدية الشكر وهذه مشاعر رائعة نفتتح بها الصفحات… فهيا عزيزي القارئ ندخل فى بوتقة الأحداث باسم الله ندخل شارع الباجوري مع الكاتب سليمان القلشي.

نبدأ الحكايات (بسيرة أبو جمال) هذا الرجل الطيب السيرة الذى توفي وترك زوجته ابنة عمه بأولادها وهى صغيرة حزنت عليه طوال العمر وارتشحت بالسواد لحبها له وتعجب أبنائها لهذا الحزن العميق المتواصل.. فكان رد فعلها إنها العشرة الحسنة الطيبة رغم أنه لم يقل لها كلمة أحبك لكنه كان العمر والروح والقلب عاشت بعده 43 سنة وظلت على عهد الحزن الحب والوفاء طوال حياتها وحتى الممات.

 ويستطرد الكاتب الحكاية يأخذنا ويسافر بنا إلى ليالي الصيف فى الرمالي، وننتقل مع عائلة أبو جمال من المدينة محل الإقامة (قويسنا) إلى قرية العائلة وعلاقته التى ارتبطت بخاله أحمد الحنون وخالته نعيمة التى كانت المسئولة عن دوار الخزين (الحاصل) ومنحته القشطة المحببة لديه، ومع الوقت بدء يقارب من الأسرة بعد الانزواء والوحدة تعرف عن قرب بالدار الكبيرة وحجراتها وبدء يتآلف مع الموقف.

  ونسافر مع الكاتب لاستكمال الرحلة مع (كرامة غيط أبو شارقة).. حيث ذهب الصغير مع أخيه الأكبر إلى غيط أبو شارقة الذى يبعد ساعة سيرا على الأقدام كان الصغير معترض فى البداية ولكن أخيه أقنعه بذلك للتجديد ولأنه يحب أن يشارك ويري أولاد أخواله بين المزارع ويعاصر الحالة الريفية ومن الممتع أن أحد أولاد أخواله عبر الترعة حتى حضر له الكراملة التى طلبها وتمنها الصغير ورغم صعوبة الموقف لكنه حصل على الكراملة.

 (ثم يأخذنا الكاتب إلى كرامات سيدي هلال) قصة سيدي هلال الذى رددها الأجداد هو من أصل عراقي جاء إلى الرمالي مترجلاً وكان رجلاً صاحب كرامات وزاهدا ومحبا لأهل القرية وعمل الخير وعندما توفي دفنوه بها وأصبح له مقاماً وأصبح مزاراً لأهل القرية والقرى المجاورة للتبرك بالدعاء وقراءة الفاتحة وكانت عائلة تاج الدين هى المختصة بالعناية وخدمة الضريح.

  ومع كاتبنا إلى زفة الشيخ أحمد ومشهد آخر من الرمالي.. والشيخ أحمد هو أحد أهالي الرمالي رجل اشتهر بالورع والتقوى وكان من هواة جمع الساعات القديمة كان له حمار يدور معه بالقرية والقرى المجاورة له طقوس تحتفي بها الناس وزفة يخرج ويدخل بها منزله، دائما يرتبط أبناء القرية بمواعيد زفة الشيخ أحمد وأيضاً ميعاد جني محصول القطن لزواج أولاد القرية بهذه المناسبة وتقام الاحتفالات بالسيوف وارتداء الزى الأخضر للموالد وإقامة مباهج لمعتقدات زفة الشيخ أحمد المحتفي به وأيضا تقام أفراح ونزور وتوزع الحلوى وتقام مصاطب الأطعمة لذلك.

 ولكل خال قصة حكاية أخرى يأخدنا لها الكاتب بجاذبية السرد.

يحكى عن أخواله وأخواته واعتزازه بأولاد خاله عبد المجيد الأكثر صداقة له ولا ينسي أخوهم الكبير فوزي الذى كان فخر للعائلة لكونه ضابط بالقوات المسلحة.

 وإلى مشهد سردي آخر هو فتش عن الدودة.. يوضح الكاتب كيفية العمل الشاق داخل الحقول يجمعون من أجله الصغار لتنقية القطن من الدودة مقابل أجر يومي ويشرح بإتقان هذه التجربة لفرقة مقاومة الدودة كما يطلقون عليها وكيف كانوا طوال أوقات العمل ينشدون الأغاني سعداء بعملهم ومهاراتهم.

  دنيا شارع الباجوري وهو أحد الشوارع الهامة بقويسنا ومسقط رأس صاحبنا السارد عاش فيه طفولته وصباه وبداية شبابه.. وظل شارع الباجوري يمثل جزء هاما من تاريخه الشخصي بجانب سينما النصر بقويسنا ويدخل بنا الشارع لنتفحص معه شخوصه وارتباطه بأصدقائه والتحاقه معهم بالخدمة العسكرية والعم حجاج الشخصية المحورية فى شارع الباجوري هو من أبناء بركة السبع.. ويتذكر أيضاً أخوانه عبد الحميد ومحمود وعملهم بشركة المياه.

 ويعدو بنا إلى مشهد رمضان والعيد وأشياء أخرى يذكرنا بروحانيات شهر رمضان والإفطار والسحور والاستعدادات داخل الشوارع والزينات والطقوس المحببة لنا كمصريين فى الشهر الكريم والاستعداد للعيد والنزهة بشوارع قويسنا وأحب الأماكن (سينما النصر) ليشاهد أفلامه المحببة.

(سينما النصر وتليفزيون الشعب).. تلك الفترة من أواخر الستينيات وأوائل السبعينات وأفلام العظيمة شادية معبودة الجماهير وغيرها ويذكرنا أيضاً بتاريخ 28 سبتمبر 1970 بوفاة الرئيس جمال عبد الناصر وصعوبة رد فعل الشعل لحبهم للزعيم، وأيضا أغنيات بناء السد العالي لعبد الحليم حافظ.. ذكريات يسطرها لنا الكاتب مع الماضي الزاخر بالفنون والزمن الجميل لعظماء الفن والأدب والغناء.

ويشرح منافسة تليفزيون الشعب لسينما النصر والفترة التاريخية الفارقة لمصر من خلال التليفزيون ومسلسلات الرحيل والأرض والساقية وغيرها وروعة التمثيل والأداء الرائع واحترام الفنون.

 (قويسنا والثانوية العامة) يدخل بنا الكاتب لمرحلة فارقة وهو يخطو خطواته الأولي نحو مدرسة قويسنا الثانوية والأساتذة الأجلاء والمدرسة بجدرانها وطلابها وأيضا العمل السياسي بالمرحلة الثانوية حيث أصبح كادرا من الكوادر العليا وأصبح عضو مؤتمر المحافظة.

 الذين مشوا فى جنازة عبد الناصر ثم شارع الكنيسة ثم الزواج فى شارع الباجوري ثم الرحيل العجيب لصابرين أم صابر ثم لعنة الزمالك التى لا تزول ثم غارة حرب أكتوبر ثم فى ضيافة هدى سلطان وفريد شوقي ثم تائه فى الأردن ثم شقة الجدعان ثم دفعة 25 احتياط ثم الفصيلة رقم 9 ثم هذا ولد فاسق ثم بدون مناقشة ثم عصفور فوق خشبة المرمي ثم مركز تدريب المشاة رقم 1 ثم أنت مين يا عسكري ثم استغاثة جندي مجهول ثم المروغاتي ثم وربنا هتعمل أيه يا منوفي ثم الرحيل إلى سيدي براني ثم لغز النقيب سامي ثم مفاجأة سرية الخدمة ثم دموع النقيب عبد العظيم ثم الجيش والشعب والسيول ثم ما تبقي من الماضي.

 هذا هو عالم الكاتب سليمان القلشي بكل ما يحمل من معاني الحياة الجميلة والمشقة والعناء والمشاكل والاختلاف والائتلاف وهنا أحب أن استعرض بقلم الكاتب (ما تبقي من الماضي) وهى رائعة بمصداقية القول والسباحة فى محيط الذكريات كل من قرأ شارع الباجوري حكايات من الحياة يجد نفسه وذاته فى سطورها تداولنا طقوسها وأحداثها ومعانات شعب وصبرنا جميعاً على الظروف والمتغيرات حتى وصلنا لما نحن فيه الآن.. أترككم مع قلم وكلمات الكاتب و(ما تبقي من الماضي).

لابد الآن وفى النهاية أن أتحدث إليكم مباشرة دون ساتر (صاحبنا) فآن الأوان أن نتحدث عما تبقى من الماضي الذى تحدثنا عنه طوال سرد الذكريات السابقة.

وعندما ننظر إلى الرمالى الآن نجد أن الدنيا تغيرت بمعنى تغيرت لم يبق إلا القليل فى دنياي التى عشت معها فى الطفولة، فمثلاً ما زالت الجميزة موجودة، ولكن عندما تتفحص الجميزة العتيقة التى عمرها من عمر الرمالي الآن آثار الزمن عليها ظاهرة بطريقة كبيرة، حتى أنها أصبحت لا تطرح ثمراً وتقصفت أكثر فروعها وأصبحت هزيلة، أما المكان نفسه فقد تغير، فبدلاً من وجود سيارات الأجرة تحت الجميزة، والركاب ينتظرون ليركبوا السيارات، ضج المكان بالباعة الجائلين بمحلات النجارة والبقالة ثم إنشاء مكتب للبريد بجانبها، والغريب أن ما أصبح موجوداً داخل محل البقالة، يخول لنا وصفه الآن وبضمير مستريح أنه سوبر ماركت كبير، يوجد به بضاعة لو أصبحت محلات القرية كلها فى طفولتي، ليكون بها بضاعة مثلها فى الكثافة، لا يمكن أن يكون هناك تنافس.

  نحن هنا نتحدث عن الكمية وليس النوعية، دكاكين البقالة فى صباي وطفولتي بالرمالي كانت فقيرة البضاعة لدرجة ملحوظة، وعندما تذهب إلى الدوار الذى عشت معه أياماً وليالي نجد أن الدوار القديم ذا الأسدين على بابه الواسع قد تم هدمه، وتم بناء دوار جديد على طراز حديث درجات سلمه تنافس درجات سلم نقابة الصحفيين، وقاعته واسعة لدرجة مدهشة، لقد هدموا كل ما فيه من آثار جميلة، هدموا الحجرتين اللتين كانتا تحملان ذكريات كتابة المتوفين على جدرانهما ومنهم اسم والدي.

  وتغيرت ناحية القلوشة، ففي مدخلها تم بناء منزل على أحدث طراز، ولكن من الطريف أن الدار صاحبة الذكريات معي فى الطفولة والتى بعناها فى أيام العسرة إلى أحد أقربائنا، هى الأخرى مازالت كما هى ببابها وشكلها القديم، وكأن القدر تركها لي، حتى عندما أراها أتذكر أثراً مهماً فى حياتي وأياماً لا تنسي.

 أما الدار القديمة لأخوالي، فهي كنا هى، لكنها انقسمت نصفين، نصف يعيش فيها أولاد خالي إبراهيم، والنصف الآخر، يعيش فيه أولاد الخال محمد، ومازال الشارع الموصل إلى الدار الأخرى، كما هو ضيق، ومازالت الدار التى أدخلتني فيها العمة هانم أثناء وفاة أبى موجودة، كما هى، فلقد كانت أيامها مبنية على طراز جديد، والآن بدأ يظهر عليها الزمن، أما الأخوال فلقد توفوا جميعاً، عبد القادر، وأحمد، وإبراهيم، ومحمد، وعطية، وماتت أيضاً الخالة نعيمة، والآن الجيل الثاني من أولادهم هم الموجودون.

سيدي هلال:

 مازال مقام سيدي هلال كما هو، موجود داخل مدافن الرمالى، ولكن بنظرة بسيطة إلى المقام ستجده وقد أصبح مهجوراً، فالزوار أصبح عددهم بعد على الأصابع، الاهتمام بالمقام تقريباً لا يوجد اهتمام به من أهل القرية مثل السابق، الهدوء يسيطر على جنبات المقام، ولا توجد أصوات للدراويش الذين تعودوا أن يزوروا المقام، ولا حتى الناس العاديون.

زفة الشيخ أحمد:

  لم يبق من زفة الشيخ أحمد إلا اسمها، واحتفال بسيط بها، لا توجد فيه فرس ولا يوجد فيه فارس، فلقد توفي الشيخ أحمد، وبعد وفاته بدأ عدم الاهتمام الكافي بالزفة، وبالتالي أصبحت الزفة باهتة، حتى أن أفراداً كثيرين من أهالي البلد أصبحوا لا يتذكرون يوم الزفة، بعد أن كان يوم زفة الشيخ أحمد، يوم عيد تاريخي عند أهل القرية والقرى المجاورة وأبناء القرية فى مصر كلها.

شارع الباجوري:

 أما شارع الباجوري فلقد تغير تغييراً كبيراً للغاية، بداية فلقد باعت أسرتي المنزل الذى عشنا فيه أيام طفولتنا وشبابنا، وبناه من اشتراه على نظام حديث، ومازال أولاد الحاج مصطفى يعيشون فى الشارع، حسن ومحمد وعصام بعد هدموا منزلهم القديم وبنوا الجديد، ومازال منزل الأستاذ سيد عيسى موجوداً، ولكن لا يسكنه أحد، فلقد ذهب الجميع عنه وكان أهرهم الأستاذ سيد، عندما توفي منذ فترة قصيرة، وأولاده منهم من يعيش بالقاهرة، ومنهم من يعيش بقويسنا فى أماكن أخرى.

  وبيع منزل الحاج على الصعيدي، ليصبح محلات، منها محل لأدوات الطب البيطري، منزل أم صابر مازال موجوداً، ولكن مهجور من سنوات عديدة، منذ أن أشتراه أحد المغتربين، وتركه ولم يقم ببنائه وتحولت بعض المنازل إلى محلات سوبر ماركت ومخابز إفرنجية ومحلات خضار وفاكهة.

 عندما أسير فى الشارع هذه الأيام، أشعر أنني فى شارع آخر غير الشارع الذى ترعرعت فيه، وعشت فيه أحلى وأجمل أيامه، أيام الطفولة والصبا والشباب.

تليفزيون الشعب:

  ذلك التليفزيون الذى أنشأه عبد الناصر للغلابة من أمثالنا الذين كانوا لا يملكون أجهزة تليفزيون، وكان متاحاً للشعب للمشاهدة، تم خلعه من المكان، وتمت إضافة مساحة الكشك الخاص به إلى مركز شرطة قويسنا.

سينما النصر:

  تلك السينما التى امتلك معها ذكريات كثيرة هى الأخرى تم هدمها، وبنيت مكانها عمارة كبيرة، أسفلها عدة محلات كثيرة ومتعددة الأنشطة، ومع هدمها ذهبت ذكريات السينما الجميلة، وحتى المحل الذى كان يبيع لنا الفول والطعمية تم هدمه، وبُنى مكانه محل توكيل لشركة بيع التكييفات.

قويسنا الثانوية:

 تلك المدرسة العريقة التى تربينا فيها جميعاً، ومن خلالها خرج إلى مصر كثير من الرجال الأكفاء فى كل التخصصات هى الأخرى تم هدمه، ويقولون إنهم يستعدون لإنشاء مدرسة بديلة لها.. ولا ندرى إن كان هذا الكلام حقيقياً أم أن هناك أشياء أخرى لا نعلمها؟.

 شم النسيم:

لا يبقى من شم النسيم أيام زمان سوى اسمه، والحديث عنه فى التليفزيون والإذاعة، برج المنوفية هو الباقي، ولكن الزيارات له ليست كما كانت، قلت الزيارة، والاهتمام من إدارة البرج، الذى أصبح الآن تديره المحافظة، إدارة فاشلة كل شئ تغير، أصبح باهتاً لا يملك أي روح من روح زمان.

 الحدائق التى تحدثنا عنها أصبحت الآن أرضاً أسفلتيه، أعلاها كوبري كبير لقويسنا، يربط بين قويسنا وأول طريق قويسنا البلد.

 محطة السكة الحديد الآن تغيرت إلى الأفضل فى الشكل، وأصبحت الديزلات التى كنا نحلم أن نراها واقفة فى المحطة، ونسعد بأن نركب بها، أصبحت بين أيدينا، هناك الكثير من الديزلات تقف فى محطة قويسنا.

رحلة الأردن:

  لم يبق منها شئ سوى الذكريات، معالمها وأشخاصها لم يبق منهم إلا واحد، وهو محمد فؤاد، ذلك الشاب الذى يستعد للخروج على المعاش الآن، والذى سكن معنا أنا وعماد فى الأردن، أما عماد، فهو الآن بين يدي الله، فلقد توفاه الله منذ فترة بعد صراع مع المرضي.

  أما عبد المنعم، ذلك الشاب المرافق لي فى الرحلة، الذى يستعد هو الآخر للخروج على المعاش والذى أقنعني بفكرة السفر الآن، يعمل محاسباً بإحدى شركات الأدوية بجانب عمل خاص يقوم من خلاله بتوزيع مواد غذائية على المحلات.. لا أراه إلا نادراً.

  أما ممدوح، ذلك الشاب الذى قابلني على السفينة، ونشأت بيني وبينه صداقة، وذهب هو إلى العراق، وأنا إلى الأردن، ظل متواصلاً معى، وجاء إلى قويسنا لزيارتي، ولكن منذ فترة طويلة أبحث عنه، ولا أجد له عنواناً، وكل الذى أعرفه عنه أنه من إمبابة، كان شاباً محترماً وجديراً بالصداقة، يا تري أين هو الآن، هل على قيد الحياة أم لا؟ أتمني أنا أطمئن عليه، ولكن كيف لا أعلم؟        

الخدمة العسكرية:

  أكثر أيام قريبة إلى قلبي مع أن الكثير من الناي الذين عانوا من فسوتها يبعدون ذكرياتها عنهم، ولكني غير هؤلاء الناس، فالحياة العسكرية أعطتني الكثير والكثير، أعطتني الشخصية الحازمة التى أحاول إلى الآن أن أكون أحد محبيها، أعطتني العلاقات الدافئة داخلها والتى لا يمكن أن أنساها أو أتناساها.

 أما الأشخاص، فالحقيقة لم أتواصل إلا مع القليل منهم، والحقيقة أنني شخص بطبيعتي، لا أنسي الناس سريعاً، بل أكون شديد الحرص على استمرار أي علاقة تنشأ بيني وبين أحد، وتكون علاقة جيدة، ولكن طبيعة الحياة تبعد الناس، والناس فى العادة لا يحرصون على الاستمرارية، لأن هناك كثيراً من الناس يتبعون القول السائد (وشك وشك – ظهرك ظهرك).

  على العموم لي ذكريات محدودة فى ذلك، فأنا مثلاً أبحث عن الشربيني السعيد، ابن دموه، تلك القرية الموجودة فى محافظة الدقهلية، وبحثت مرة على النت عنه، ونجحت فى الحصول على رقم تليفون منزل، ولكن فوجئت بصوت سيدة كانت حماته، تقول لي إنه فى السعودية للعمل، وأبلغتها باسمي وتليفوني، ومن يومها لا أعرف شيئاً عنه هل أبلغته أم لا تبلغه الله أعلم؟.

الرائد محمود:

  بما أنه من المنوفية، فكان أسهل أن أحصل على تليفونه، والحديث إليه، ومقابلته فى مقر جريدة الرسالة الجديدة بشبين الكوم، ولكن كانت الدنيا تغيرت، والرائد محمود أصبح من رجال الأعمال، وظل حديثه معى مرتبطاً بالأعمال التجارية، والبحث عن السبوبة، ويبدو أنه وجدني لست متوافقاً معه فى هذا الاتجاه، فآثر السلامة وقطع التواصل.

 ذكريات الخدمة العسكرية لا تنسي، عندما خرجت الطائرات المصرية أخيراً لتدك معاقل الإرهاب فى ليبيا من مطارات المنطقة الغربية، تذكرت أيام المنطقة الغربية والمطار والناس، وكنت فخوراً ومختالاً أن هذه الطائرات، خرجت من المطار الذى خدمت به لتدك الإرهاب.. شئ يدعو للفخر.

والآن وأنا على مشارف الستين، أري الدنيا القديمة برغم قسوة عيشها مقارنة بالمعيشة هذه الأيام، أراها أياماً سعيدة فى حياتي، وأتمنى أن ترجع مرة أخرى، أتمني أن أرجع مرة أخرى إلى حضن أمي وحنانها، أن أري إخوتي الذين ذهبوا عنا وأيامهم الجميلة، أتمني أر أري الدنيا السابقة، مع أنني الآن أعيش فى حياة رغدة وجميلة لا تقارن بالأيام السابقة، ولكن حنيني للماضي لا يتوقف، وهذا محل اندهاش من كل من حولي، وبالذات أسرتي الصغيرة، ولكن أنا لست مندهشاً، بمعنى مازالت هناك وأشاركها قلبي هما هناك فى الرمالى، وشارع الباجوري، وفى شوارع عملن بالأردن، وفى براني فى أيام العسكرية، مازال قلبي هناك، ربما يرى البعض أن هذا زائد عن اللازم، ولكن هذا إحساس.. وأتمنى أن يقرأ أولادي تلك الكلمات جيداً ليعلموا جيداً من كان أبوهم، ليتهم يقرءون.

  وبعد هذا الطوفان وعناق من الذكريات نأتي إلى محطات نهاية إبداعية مبتكرة جديدة وفريدة من نوعها أيضاً والسياحة فى ما تبقي من الماضي يستعرض بسينما الحياة الحالية ما سبق والتأثيرات السلبية والإيجابية لمحتوى الحياة التى مارسها وعاشت فيه ووجدانه.وكانت شخصيته وذاته والآن يعرض لنا الماضي عن بعد بكاميراته ورؤيته ومنهجه بعد الستين أو أقل ليستكمل رحلة المستقبل بعد ما أضاء ومضات الذاكرة وأشعل بها شموع السرد والذكريات التى كان يحملها فى خلجات قلبه وعقله طوال مدة قراره للكتابة الآن أخرج الأسلحة القديمة وأستبدلها بكل قوته بالخبرات وتكنولوجيا المعلومات والمعارف التى شكلت وعيه ليعلن للقارئ دخوله مرحلة جديدة بإبداع مختلف وبصمات واثقة.

  نجح الكاتب فى سرد التفاصيل بدقة أقرئها وكأنني أري المشهد مكثف أمامي بحروف ناطقة تجسد وتوظف الشخوص والحول والمزارع والأوقات والتقوس البشرية بدوافعها وسلوكياتها تتجلي فى عناصر الزمان والمكان وجملة المحتوى والتكنيك والبيئة والتفاعل مع عالمه الداخلي وتطور المواقف بتلقائية السرد الرائع بلغة سلسة ذات طابع جمالي بعيداً عن التعقيد والعزلة ودون افتعال ليجذب القارئ ويدخله لعالمه وجواهره وكنوزه.. وتجربته الخاصة بلغته التعبيرية بنشيد الإنسانية التى نداوي به إعطاب الزمن وصورة المشحونة بالقسوة والمرارة والغربة يوضح لنا الكاتب براءة الدهشة وطفولته إحساس فى الرفض ويوضح أيضا مدى احتفائه بالفرح واختيار بعض الأوقات رغم بساطتها لكنها مؤثر قوى فى انتقاله من مرحلة لأخرى.

اهتمام الكاتب لدرجة فائقة بالتفاصيل تمنحه قوة الصدق فى عرض المضمون وكأنني أري المشهد وأتعايشه معه ولأنه لا يخدع نفسه ودائما هو لديه الحماس لاستطراد السرد وجرأة الطرح والحكي ببساطة وانسياب دون تكلف وصبره على وصف المساحات الحولية يمنح نصوصه إضاءة الومضة والرؤية الاستكشافية لكل مشهد هو يعبر بسفينته السرد الذكية لمشهد آخر حتى يصل بك إلى الحالي لتسعد معه بما تبقي من الماضي.

 يطل الكاتب سليمان القلشي طوال سرده لحكايات من الحياة من شرفة الذكريات ويرسل لنا مع أجنحة الطيور بعض من عبق اللحظات التى كانت بالتالي حياة بعض منا وأنا واحدة ممن شاركوه فى لحظات (الذين مشوا فى جنازة عبد الناصر) ص98.

 من بداية السرد بعرض سكان شارع الباجوري وعم أحمد الذى يضع قدرة الفول وأيضاً عم محمود الصيني الذى يبيع الأدوات المنزلية والأستاذ سيد مدرس اللغة العربية والطبقة الوسطي من سكان هذا الشارع والذين اتفقوا جميعاً بدون عقود مبرمة على حب الزعيم جمال عبد الناصر وصوته الذى يجلجل من المذياع مؤكدا دائما أن الوجه العروبي والمصري هو أساس نهضة قادمة لمصر وللعرب.

ووصفه الدرامي لتفاصيل يوم وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وحزن الشوارع والميادين والشعب الذى يردد مقولة.. مات أبو الغلابة.. مات عبد الناصر.. مات البطل.. كلنا عبد الناصر.. مع السلامة يا أبو خالد.. وكل الأعلام والصور للزعيم تخترق المدن والشوارع والقلوب تفيض بالبكاء المسلم والمسيحي وحزن السنين على عبد الناصر فعلاً كان وقتها ملامح الشعب المصري على قلب رجل واحد لم يطلهم التغيير والفتن الحالية التى شقن الصدور وروعت المفاهيم وانقسمت الأفكار والأيدلوجيات والفلسفات.. وفى استعراض سردى آخر لموضوع (غارة فى حرب أكتوبر) ص126.

  ووصفه الدقيق لنبض الشارع وحكايات المعركة والجبهة وأبناء وسكان شارع الباجوري والمذياع الذى لا يفارقهم للوصول إلى الحقائق عن دقات الحرب ودعوات الأمهات والصدور التى انفطرت من وهل المفاجآت والغارة ومتابعة التلفاز وبرغم هذا لم تتوقف الحياة داخل المجتمع وكأنك تصف مصر كلها على شاكلة الشارع جميع المصريين سواء مسلم أو مسيحي قضيتهم مشتركة مجتمع واحد مصير واحد شهداء وأحياء لم ينقسموا كان النجاح بمشاركة الجميع والنصر بمعاونة الجميع.. وعندما عرض أيضا الكاتب موضوع (دفعة 25 احتياط).. وأخذ القارئ لملفات أخرى وأدراج تراصت فيها حياته فى الخدمة العسكرية وتجربته بالقوات المسلحة وانتقاله من بلدته إلى القاهرة.. ثم إلى مقر الكلية العسكرية بفايد وعنابر ومقر الفصيلة وميعاد الطعام ونوبة الصحيان فى تمام الساعة الخامسة صباحاً والنوم فى العاشرة مساء ثم توجها إلى (الفصيلة رقم9) ص176 .. والنقيب فوزي وتصريح الأجازة وأمن البوابة وجلسات السمر والنكات يعرج بنا الكاتب من حكاية إلى أخرى بدقة التفاصيل التى لازمته بتمكن واقتدار وجذب إلى مسرح الأحداث مع إيقاعات لغته ورموزه السلسة والبعد الدرامي الذى يفتح ويغلق أبوابه ما بين الموضوعات حتى لا يمل القارئ من رحلته مع السرد.

  وموسيقاه الهادئة الدقيقة باسترسال خال من الوصفية المعقدة. بل هو يقدم صورة صادقة لإيقاع أحداثه وملحمته الحياتية بدون إطالة بل هو سريع متنوع الحركة. يحاصر المتلقي وينقله من مشهد لآخر ومن صورة تفصيله إلى إبراز جماليات المكان والزمان دون التوقف عند مشكلات المجتمع والأفراد والقلق الأسود ولا يستعرض الحزن كثيراً بل يمر عليه مرور الكرام ليحملك الحركة تمثيلية فيلمية أخرى تجر فيها جزء من حياتك أو تشاركه لحظاته داخل الشارع والنفس والانتصار والغربة والعودة بك إلى محطات النهاية وما تبقي من الماضي.        

 

إيمان أحمد يوسف

26/12/2017

   

 

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق