فن وثقافة

                             عزة عز الدين تكتب : “علبة الأحلام” .. !!

مازلت الذكرى تؤرقني وأحلامي تروح وتغدو كأنها ما كانت، أشعر بالخجل تجاه ما حصل، وبالندم على لحظة ماكنت أستطيع حيالها تصرفا ولا أملك معها رأيا لأنها راحت وانتهت كلمح البصر.

كنت فتاة يشرق صباي، يداعب أحلامي كيفما أسير، كنت أحلم دائما بأمومتي فأنا أعشق الأطفال خاصة البنات، لم تفلت مني طفلة أقابلها حتى ألتقفها أضمها وأقبلها كمن قطفت جورية تشتم عطرها وتنكر عليها الذبول.

وكانت أيام

الزمان: صباح يوم سعيد

المكان: شاطئ البحر

كنت أسير على الشاطئ ألتقط الأصداف وأضعها في علبة مزركشة اشتريتها خصيصا من أجل ذلك وكلما اقتنيت صدفة همست فيها بحلمي ووضعتها في العلبة حتى امتلأت ولكني لم أحكم غلقها ربما لأني أردت لأحلامي المودعة أن تتنفس.

وفي خضم الزحام لمحت طفلة جميلة ذات شعر ذهبي وخدين موردين تقبض على كف أمها بشدة.

بهرتني بجمالها وبرائتها، اقتربت نحوها والتقفتها بعد أن ابتسمت في وجه أمها وناولتها علبة الأحلام حتى يتسنى لي حملها، أخذتها الأم ووقفت تراقب شغفي بالطفلة ومداعبتي لها بحب وحنان، ودون قصد منها فلتت العلبة وتبعثرت الأصداف فشعرت بقبضة في قلبي من أجل أحلامي المبعثرة. لاحظت الأم تجهمي فبدأت في جمع الأصداف ووضعها في العلبة مرة أخرى، وفي لحظة خائنة تركت الطفلة لأساعد الأم وقبل أن نرفع أعيننا كانت الصغيرة قد اختفت، نعم اختفت تماما، رمقتني الأم بنظرات حادة كادت تقتلني فأنا من نزعت يد ابنتها منها، أنا من شغلتها بهذه الأصداف المبعثرة، ثم صرخت بأعلى صوتها ندى ندى ندى وأخذت تركض في نفس الاتجاه.

أما أنا فقد قذفت بعلبة الأحلام في البحر واستودعتها الله بعد أن همست باسم الطفلة فيها لتكون آخر أحلامي، ثم لحقت بالأم أبحث معها عن الطفلة العالقة في قلبي وضميري وأردد معها ندى ندى ندى

كنا نبكي حتى شعرت أن البحر صغيرا أمام دموعي وأن المطر جف والريح أحزان. ثم على نقطة ليست بالبعيدة لمحت امرأة تحمل طفلة بدى لي أنها تمر على السائرين تحدثهم شيئا ما فتمنيت لو كانت تسألهم عن هذه الطفلة هل هي ابنتهم؟

ركضت نحوها وأنا أمسك بيد أمها المرتعشة وأدعو الله من كل ذراتي أن تكون هي. اقتربنا حتى تحققنا من ملامحها، نعم إنها ندى القلب والروح، همسي الجميل وحلمي الأخير. التقفتها الأم وضمتها وهي لاتزال تبكي وأنا مثلها كما لو كانت ابنتي، وحين أدركت الأم قلقي وأسفي من أجل ما حدث ابتسمت في وجهي وقالت ” الحمد لله قدر ولطف” ودعتهما بعد عناق حار وتمنيت أن يهبني الله بنتا أسميها ندى، أما علبة الأحلام فلا زالت في حضن البحر أو ربما التقطها غواص يقدر الثمين أو عرافة تفسر الأحلام.

الآن لم تعد تهمني فقد مر الزمان وتحقق حلمي الأخير فيها، وها هي ابنتي ندى الروح بين ذراعي تذكرني بفتاة كانت تجمع الأصداف وصغيرة تائهة تعلقت بقلبي، وأحدثها أنا عن علبة أحلام مزركشة ثم أعلمها أن لحظة في الحياة قد تكون فارقة، وأن الإنسان حين يستودع الله آماله وأحلامه لا يخشى عليها الضياع.

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق