ادب

قراءة في المجموعة القصصية “لكنني أنثى” للأديبة المصرية وداد معروف.. بقلم : عبد الله جمعة

(مُنَى) موظفة قبيحة تعمل في إحدى المؤسسات ، أيقنت من عدم جمالها ، وأنها لن تحظىٰ من المحيطين بمعاملة تُرضي أنوثتها فاضْطُرَّتْ إلى ارتداء النقاب رغبةً في التواري والاستتار وعدم تجريح نظرات الناس لها ، واكتفت من زميليها في المكتب (إيهاب) و (رامي) ومديرها في العمل وبقية الناس أن يتعاملوا مع أنوثتها المكنونة في داخل نفسها بعد أن قامت بتورية مظهرها الخارجي ، إلا أن المفارقة القدرية تأتي بموظفة جميلة (غادة) لينقلب حال المكتب ويظهر كل من إيهاب ورامي بذلك المظهر المجتمعي الذي تحوز فيه الأنثى جميلة الملامح بكل الرفاهيات والراحات وتحتل أحسن المكانات ، بل يتنازل لها الرجال في سباق محموم فيما بينهم عن مناصبهم ودرجاتهم بينما تظل الأنثى الدميمة – برغم كونها أنثى – مهضومة الحق لا تنال نصيبها لا من الترقي والحصول على حقها الوظيفي أو حتى تفتقد لمعاملة تليق بأنوثتها المضمرة تحت ملامحها الدميمة ، ثم تُصْدَم في نهاية الأمر بقرار وظيفي متعنت يمنع ارتداء الموظفات النقاب فينتهي الحدث القصصي على صدمتها من تلك المفارقة ، فحتى النقاب الذي يخفي ملامحها غير المقبولة ويجعل الناس تتخيل أنوثتها وتعاملها كأنثى مستترة ستفقده بحكم القرار الوظيفي المجحف الذي ضربها في مقتل .

———–

كان هذا وصفًا لما سيعثر عليه القارئ أو المتلقي لقصة (وداد معروف) “لكنني أنثىٰ ” والتي حملت مجموعتها القصصية – تلك – كلها عنوان تلك القصة .

حقيقة لقد قرأتُ المجموعة كاملة وشغلتني المؤلفة كثيرًا ، كيف بلغت هذا المبلغ من النضج الفني ليس في طريقة عرضها أو زخمها المعرفي أو قدرتها الفائقة على الترميز وتحقيق الإيهام السردي بعيدًا عن الإبهام فقط ! وإنما أيضاً لذكائها الحاد في اختيار عنوان هذه القصة القصيرة تحديدًا ليكون عنوان مجموعتها القصصية كاملة .

إن المتلقي العادي سيقرأ هذا المشهد الدرامي القصصي فيصعب عليه حال (مُنَىٰ) بجمال أنوثتها الدفينة المستتر وراء ملامح دميمة لا تلفت نظر المجتمع إلى أنها أنثى … أما المتلقي المُؤَدلَجُ أو لنقل الأكثر وعيًا ستتسع عنده دائرة التلقي ليحمل (مُنَىٰ) و (إيهاب) و (رامي) و (غادة) والمدير على محامل أخرى غير ما ظهرت في الدراما المعروضة ، فسيأخذ تلك الشخوص ، وتلك الرؤى السلوكية ليحملها على مجتمع لا يعرف إلا الزيف والوجه المصطنع فيمجد الجمال الظاهري وإن كان غير منتج ويضع من شأن الجمال المعنوي وإن كان منتجًا ، بل سيذهب إلى أخلاقيات ذلك المجتمع الذي يجري ويهرول وراء غرائز هي في النهاية ستكون أسباب هدمه وسقوطه .

وبرغم أن الكاتبه أنثى إلا أنها وقفت بسوط من لهب تلهب به ظهر ذلك المجتمع حاملة وراء رمزيتها القوية حكمتها التي بلغتها بمرورها بمراحل نضج شاقة جعلت منها أديبة مميزة نجحت أن تكون علامة من علامات القَصِّ والسرد في أواننا هذا  .

هنا توقفت كثيًرا وسألت نفسي : لماذا بلغت وداد معروف تلك المرحلة من النضج التي تربعت فيها على كُرسِيِّ إمارة السرد !

منذ عدة أعوام صدر الجزء الأول من كتابي (مكامن الإبداع) والذي سجلت فيه مراحل نضج الأديب منذ بدء بزوغ تجربته الإبداعية وحتى بلوغه مبلغ الحكمة المنشودة التي بلغتها (وداد معروف) . وقد أجملتها في أربع مراحلَ متتالية ثلاث منها تلقائية والرابعة اختيارية .

(الأولى) مرحلة البحث عن روافد معذية للفكر :

وهي مرحلة تغذية معرفية حيث يجيل الأديب شبكة صيده الفكرية يحصل فيها ما وسعته قدرته من معارفَ وخبرات يملأ بها مخزنه المعرفي والتي تتحول بطبيعتها إلى عصير فكري ومزيج خبراتي يمكن الأديب من اتخاذه مادة خام ينهل منها ليجعل من تجربته الإبداعية سبيكة ذات صياغة محكمة تصل إلى القارئ أو المتلقي بسهولة وعمق الوقت نفسه .

فهَبْ مثلاً أن أديبا أراد أن يمرر قيمة الوفاء والتضحية من خلال عمله الإبداعي ، وكان قد علم بحياة أنتيجون وما قدمته لأخيها وأبيها فإنه سيجد نفسه معبرًا عن تلك القيمة تعبيرًا مباشرًا لن يحقق الغوص في أعماق نفس المتلقي والتأثير في وعيه حتى وإن كانت لغته قويمة وأداؤه الأسلوبي يتسم بالرقي ، فالأسلوب الماتع الشيق مرتبط ارتباطا وثيقًا بالمخزون الخبراتي لدى الأديب لا محالة .

و (وداد معروف) تكشف مجموعتها عن عمق خبرتها المعلوماتية والخبراتية خاصة المجتمعية وكذلك السيكولوجية ما مكنها من اجتلاب مادتها الفكرية سليمة معافاة وكذلك تحقيق ذلك المستوى من الترميز الدقيق والإيحاء العميق .

(الثانية) مرحلة الامتلاء :

وقد وصفتها في كتابي بالامتلاء لا الاكتفاء ، وعنيت بها دخول الكاتب مرحلة التأليف وقد امتلأ بما يكفيه لتغذية تجربته بما تحتاجه من عصارة ومادة خام يتم تصنيعها داخل ذاته المبدعة .

ولم أقل الاكتفاء لأن الأديب الحقيقي لا يكتفي معرفيًّا منذ ميلاده وحتى وفاته ، فكلما نهل من معينه المعرفي لتجربة ما نقص وقل ومن ثم عاد ليملأ مخزونه ليعيده إلى الامتلاء وهكذا دون كلل أو ملل ، وإن الأديب الذي لا يسعى لملء مخزونه استمراريًّا ؛ فإنه يسقط في دائرة الاجترار المعرفي ، فحين نتابع أعماله المتتالية نجده يعيد ويكرر نفسه ويجتر ما لَاكَه سابقًا في كل عمل جديد يصوغه .

ومن خلال القراءة والمتابعة لما تنتجه وداد معروف من قصص قصيرة في مشاهد سردية عالية الحبك متينة النسج سوف يشعر تلقائياً بذلك الامتلاء ؛ إذ إنه سيكتشف أنها لا تجد معاناة في اجتلاب كل ما تحتاجه من معانٍ وأفكاره تبني بها وتنسج منتوجها السردي المُحكَم .

فاختيارها مثلاً لذلك الحدث الدرامي الذي عرضته من خلال قصة (لكنني أنثى) يتضح بجلاء مدى خبرة وداد معروف وإلمامها بالزوايا النفسية لمجتمعها وما يدور فيه من سلوكيات أصبحت ظاهرة مرضية تثقل هذا المجتمع وتهدده بضمور كفاءاته ؛ إذ أصبح مجتمعًا يبني مستقبله على أسس شكلية وجمالية منمقة دون النظر إلى المضامين القادرة على تحقيق نهضته .

(الثالثة) مرحلة اختيار زاوية الرؤية :

حين نقرأ لأديب ما أحياناً بل كثيرًا نتهمه بأنه يستنسخ من سبقه من مبدعين ولا يملك شخصية مميزة ، وتلك هي الحلقة المفقودة التي نبحث عنها جميعاً ، فعدم وجود تلك الشخصية دليل على افتقاد هذا الأديب لزاوية الرؤية .

ولكي يتضح الأمر لنا علينا أن ندرك أمرين في غاية الخطورة :

* أولهما : إن الأديب لا يتعامل مع الواقع الوقيع ، الذي هو الواقع الاجتماعي المعاش ، و إنما هو يعيد صياغة هذا الواقع داخل واقع موازٍ هو ما أسميته الواقع الأدبي ، وهو ذلك المجتمع الأمثل الذي يسعى الأديب إلى تحقيقه ودائمًا ما يواجه واقعه الاجتماعي بواقعه الأدبي ذلك ليظهر له نواقصه وينبهه لها .

* ثانيهما : إن الأديب الحق لا يتصالح مع واقعه الأدبي ولا يهادنه فهو دومًا في حال من الصراع معه يتصادم معه من أجل اختلاق عوامل الاكتمال له . وهو في صراعه وتصادمه هذا يعتبر واقعه عدوًّا – مجازًا – ينازله ومن ثَمَّ لابد وأن يعدَّ عُدَّةَ النزال لينتصر عليه ، فالأديب ينتصر في واقعه الأدبي على ما هو منهزم فيه في الواقع الاجتماعي ، فإذا كان الأديب مصارعًا والواقع خصمًا فعلى المصارع أن يجهز أدوات الصراع التي يتقنها حتى ينتصر وينتصف لنفسه من واقعه الاجتماعي في واقعه الأدبي ، ذلك السلاح الذي يتخيره الأديب لمنازلة خصمه هو ما أسميته (زاوية الرؤية) أو (الفلسفة الخاصة) وهو ما اصطُلِحَ على تسميته شخصية الأديب أو شيفرته الخاصة التي تميزه .

فمن الأدباء من يتخذ من (فلسفة التهكم والسخرية) زاوية رؤية له فيتهكم على واقعه ويسخر منه في مجمل أعماله لتصبح تلك صبغته أو شيفرته الخاصة التي تجعلنا نعرفه ومميزه لمجرد اطلاعنا على عمل من أعماله وإِلَّم يوقع باسمه في نهايته ، ومنهم من يتخذ (فلسفة الاستعلاء) زاوية رؤية أو سلاحًا يواجه به ذلك الواقع ومنهم من ياخذ (فلسفة تشويه الواقع) والإجهاز على ما بقي فيه من جمال لتشويهه كاملاً انتصافًا وانتقامًا وهكذا ، وقد أحصيتُ في كتابي عشرين زاوية رؤية يمكن لكل مبدع أن يصل لإحداها تلقائيًّا ليتخذ منها زاوية رؤية أو فلسفة أو بصمة شخصية .

هنا يعنُّ سؤالٌ : هل يمكن للأديب أن تتعدد زاويا رؤيته ؟ أجبت في كتابي بـ (نعم) ولكن هذا يحدده درجة نضوجه ووعيه وخبرته في مجال الإبداع .

و(وداد معروف) كأديبة قاصة بلغت هذا المبلغ فبنت لنفسها شخصية مميزة مثَّلَتْ زاوية رؤيتها أو فلسفتها أو سلاحها في مواجهة هذا الواقع ؛ إذ إنها تمارس مبدأ العقاب والتقريع لذلك الواقع وفضحه وتعريته أمام نفسه ؛ إذ تمسك بسوطها – كما ذكرتُ سالفًا -وتلهب ظهر ذلك الواقع وتجرده أمام نفسه ، وقد تجلى ذلك من خلال دلالاتها المعنوية داخل قصتها القصيرة وكذلك من خلال رموزها التي اختارتها بعناية فائقة ، وقد اتضح ذلك في أسماء الشخصيات التي نسجت حولها الحدث الدرامي لقصة (لكنني أنثى) وذلك مما يدل على عمق خبرتها في العمل السردي ، فالأديب الأريب من يتخير لشخوصه أسماء دالة على مدلول قيمها الأخلاقية داخل الحدث الدرامي فـ :

* إيهاب : من الإهابة ؛ النداء والإلحاح المستمر إذ هو شخص لحوح داخل الحدث الدرامي يمارس إلحاحه في كل شيء ، في طريقة عرضه نفسه على غادة والإلحاح على (مُنَىٰ) في ضرورة الترحيب بالوافدة الحسناء الجديدة .

* رامي : من الرمي بالقوس ، فهو إنسان يبحث عن هدفه بعناية وإتقان ولا يرمي سهامه إلا حيث تصيب .

* مُنَىٰ : تلك الموظفة الدميمة الخلقة الجميلة الخُلُق والعمل والتي تحمل في أعماقها ” مُنَىً ” بأن تعامَلُ في مجتمعها كأنثىً وهو ضنين عليها بذلك ، وهنا تجلت قدرة (وداد معروف) الدلالية في انتقاء اسم (مُنَىٰ) وليس (أماني) فالمُنَىٰ هي الآمال الجميلة الوهمية بعيدة التحقيق ، والأماني الآمال الواقعية قريبة التحقيق .

* غادة : الموظفة الجديدة الحسناء التي تمثل الجمال الظاهري الأجوف الذي يحقق النجاحات الباهرة لمجرد جمالها لا دأبها في العمل أو مهارتها العملية الشخصية ، وهي تشبه تلك الدنيا الزائفة التي تغري بجمالها الظاهري ثم تتحول في النهاية إلى خدعة ووهمًا ، فبعد أن عقد إيهاب و رامي آمالهما على غادة وجمالها فإذا بها في النهاية تفضل صحبة المدير بعد أن اتخذت منهم جميعًا سلمًا تصعد عليه .

أخيرًا وليس آخرًا تلعب وداد معروف على وتر المفارقة والصدمة ؛ إذ يصدر القرار بعدم ارتداء النقاب في العمل ليكون الصفعة أو ورقة التوت التي تسقط عن (مُنَىٰ) لتكشف وتعري قبحها الشكلي أمام ذلك المجتمع القميء الذي لن يحترم أنوثتها الكامنة ومهارتها الفائقة في العمل وسيعاملها بملامحها الظاهرية .

تحية تقدير وإعزاز لتلك الأديبة الفارقة في عالمنا السردي النسائي المعاصر بل التي فاقت الكثيرين ممن يتربعون على عرش السرد من الرجال بلا سند شرعي أو داعم فني .

………………..

الإسكندرية

عبد الله جمعة

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق