ادب

 قراءة في رواية “جريمة اسمها الحب” للكاتبة دعاء البطراوي .. بقلم د. عبد الرحيم درويش


  أول ما يمكن أن نتكلم عنه في رواية (جريمة اسمها الحب) هو أنها تتميز بـ (الأنسنة) وهذا يعني تخلصها من الاسلوب الأرسطي مما جعل العمل صادقا ومؤثرا، حيث وهبت الكاتبة جميع الشخصيات حياة حقيقية غير مصطنعة فلا تقع إحداها في المثالية المفرطة أو في الشر المطلق، بل جاءت جميع الشخصيات إنسانية ذات نفوس بشرية خالصة بداخلها الخير والشر على حد سواء، وهذا يشبه إلى حد كبير ما قام به تشارلز ديكنز الذي أتى بشخصيات محيرة للقارئ تدفعه للسؤال هل هي شريرة أم لا؟ على سبيل المثال الشخصية الأساسية (مهرة) والتي تجمع الكثير من المتناقضات، وكذلك شخصية بهيج فهو شخصية عادية طبيعية للغاية يرى أن من حقه الحب والسعادة لكنه يقع تحت تأثير الغيرة الحمقاء فتقلب حياته رأسا على عقب، كذلك شخصية الجارة جيهان التي تحمل قلبا طيبا وفي نفس الوقت لديها خصلة كريهة بتدخلها السافر في حياة الأخرين.

   معظم الشخصيات ديناميكية متطورة، أو بمعنى آخر شخصيات نامية تنمو بنمو الحدث، وتتطور على مرور الأحداث بشكل مفاجئ أو صادم وغير متوقع مثل شخصية فهيمة.

     لم تغفل الكاتبة الأبعاد الثلاثة لمعظم شخصيات الرواية سواء بُعد داخلي (نفسي) أو بُعد خارجي (شكل الشخصية من الخارج ) وكذلك البُعد الاجتماعي (علاقة الشخصية لكن حولها)

  إذا تكلمنا عن الحبكة الفنية وبناء الرواية نجد أن الرواية اعتمدت بشكل أساسي على حبكة مميزة، حيث أمسكت الكاتبة بالخيط الدرامي تحركه وتصنع عقدتها أو تحررها كيفما تشاء، فمنذ البداية تضعنا الكاتبة داخل الحدث مباشرة ودون مقدمات ليفيق القارئ في عالم دعاء البطراوي الذي رسمته له، وهو ما يشبه الأدب الانجليزي الذي يوجه لكمة لوجه القارئ في البداية ليدفعه المواصلة القراءة في تشوق، التفاصيل العادية والبسيطة جدا داخل الرواية لم تُترك للصدفة وإنما تم توظيفها لخدمة الأحداث.

    استخدمت الكاتبة التكنيكيات (المؤثرات) الفنية اللازمة:

** عنصر المفاجأة: لا تخلو الرواية من المفاجآت الصادمة وغير المتوقعة.

** الحب: والمقصود هنا الحب بشكله العام وليس ما يخص الرجل والمرأة فقط، وهنا تتعدد علاقات الحب مع اختلاف صورها وأشكالها، مثل العلاقة الجميلة التي تربط حمادة بزوجة أبيه مهرة وكسر الصورة النمطية لزوجة الأب من خلالها، علاقة الصداقة القوية بين بهيج وزاهر، علاقة الجيرة ما بين رنا وجارتها جيهان.

** المقالب الدرامية:  أو الحيل الفنية وهي كثيرة بالرواية مثل الحيلة التي استخدمها ياسين للحصول على اعتراف الحب من رنا، أو الحيلة التي لجأت إليها رنا للإيقاع ببهيج.

**روح المرح والدعابة: لا تفتقر الرواية من روح الفكاهة التي تدفع القارئ على الابتسام، وجاءت بعض الشخصيات أشبه بالشخصيات الكاريكاتورية خفيفة الظل مثل شخصية جيهان

**التباين في الشخصيات: تتميز الرواية بتنوع شخصياتها وأن كل شخصية لها سمة مختلفة عن الأخرى، نجد رنا عاقلة ورزينة وفي المقابل أختها الطائشة المندفعة، كذلك ياسين الذي يبدو متماسكا وهادئا أمام مشاعره نحو رنا، وفي المقابل زاهر الرجل الرومانسي الحالم الذي لا يبخل بكلماته او أفعاله على من يحب، وجاء الحوار مناسبا تماما ومدعما لكل شخصية.

**اللغة الأدبية: جاءت اللغة حية وقوية، جمل قصيرة وسريعة ومتلاحقة وبها الكثير من الصور البليغة، على سبيل المثال وليس الحصر (فلتصمت العصافير ولتتوقف موسيقى عمر خيرت التي تعشقها ولتسكت الجدات اللاتي يقصصن الحكايات ولتهدأ ضحكات الأطفال! يكفي صوته الذي عاد يغرد بمسامعها.. صوت الحبيب الذي عاد أخيرا) ( هل كان عليه أن يخبرها أنه كان ينتظرها طوال السبع سنوات الماضية؟ كان يتخيلها بين أحضانه كحبيبة .. يدللها كابنة من صلبه.. يرتشف من حسنها كزوجة.. ويحتوي من حنانها كأم)

   وأخيرا.. عند الانتهاء من قراءة الرواية، يجد القارئ نفسه في حيرة أمام تصنيفها، هل هي رواية اجتماعية أو رومانسية أو بوليسية أم تندرج تحت روايات الساسبنس suspense التشويق والإثارة، فالرواية تجمع كل ذلك.

وهذا سر من أسرار النجاح بالرواية.

 

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق