مقالات

“مصر وأفريقيا : الروابط والجذور” .. بقلم : محمود عوضين

ترتبط مصر بأفريقيا ارتباطا وثيقا وعميقا من خلال علاقات تاريخية تمتد جذورها البعيدة إلى عهد الفراعنة العظام ، وتدعمت هذه الروابط فى العصر الحديث ، فى عهد محمد على ومابعده خاصة فى عصر الخديوى إسماعيل وتشييده للإمبراطورية المصرية الكبرى التى امتدت من جبال طوروس شمالا ، إلى أعالى النيل و البحيرات العظمى جنوبا ، وهذا هو المجال الحيوى لمصر منذ العصر الفرعونى .

وقد عرض جمال حمدان من خلال موسوعته الذهبية ” شخصية مصر -دراسة فى عبقرية المكان ” للأبعاد الثلاث للشخصية الإقليمية المصرية ، وموقعها العبقرى ، بإطلالتها على أهم بحرين من بحار العالم وهما البحر المتوسط ، والبحر الأحمر ، الأمر الذى جعل منها ، قلب العالم بلا منازع ، و ملتقى لقارات العالم القديم الثلاث : إذ أنها الحارس للباب الشمالى للقارة الإفريقية ، وهذا هو بعدها الأفريقى ، والتقائها بأوربا ، حيث تطل على البحر المتوسط ، فى جنوب القارة العجوز ، وهذا هو بعدها المتوسطى ، كما أنها منصة عبور وامتداد برى لقارة اّسيا ، عن طريق شبه جزيرة سيناء ، وهذا هو بعدها الاّسيوى .

وكم كان رائعا ، أن استطاع جمال عبدالناصر ، فى تاريخنا المعاصر ان يجعل من الشخصية الاقليمية المصرية ، مرتكزا استراتيجيا للسياسة المصرية ودورها الفاعل على المسرح الدولى ، ، مؤكدا فى كتابه ” فلسفة الثورة ” أنه لامفر لنا من أن يدور عليها نشاطنا ،وأن نحاول الحركة فيها بكل طاقتنا ” مدركا أنه قد مضى عهد العزلة ، ومستوعبا للمجال الحيوى لمصر ، الذى يتخطى حدودها السياسية ، ويمتد عبر دوائر ثلاث هى : الدائرة العربية ، فهذه الدائرة منا ونحن منها، امتزج تاريخنا بتاريخها ، وارتبطت مصالحنا بمصالحها ، وهى الأوثق ارتباطا بنا . ثم الدائرة الإفريقية ” إذ ليس عبثا أن بلدنا يقع فى شمال شرق أفريقيا ، ويطل من عل ، القارة السوداء . ثم الدائرة الإسلامية ، حيث تجمعنا بالعالم الإسلامى روابط ، لاترتكز على العقيدة فحسب ، وإنما تشدها حقائق التاريخ، وتدعمها الحضارة الإسلامية والتراث الإسلامى ، وكانت مصر دائما درعا قويا وحصنا قويا ، تحطمت أمامه وعلى يديه غزوات التتار والمغول .

وأدرك جمال عبد الناصر أن ارتباطنا بأفريقيا ، يتجاوز البعدد النيلى الذى يربطنا بدول حوض النيل ، خاصة السودان الشقيق ، الذى يمثل النافذة الكبرى للعالم العربى على قلب القارة الأفريقية ، ويتوسط دولها العديدة ، فجعل من مصر نصيرا قويا لحركة التحرر الوطنى فى عموم الدول الأفريقية ، وكانت القاهرة هى المرتكز ، والحاضنة الأم لكل حركات التحرير الأفريقية والعربية ، ولم يتوقف دورها على مجرد التأييد الأدبى أو السياسى ، وإنما كانت الداعم القوى لها بالتدريب والتسليح والمؤازرة ، والدعم اللوجيستى والإعلامى فى المحافل الدولية ، حتى تحررت كل الدول الأفريقية . كما أولى جمال عبد الناصر اهتمامه الأكبر لتصفية القواعد العسكرية الاستعمارية ، فى أفريقيا والعالم العربى ، ومحاربته للأحلاف ، وإفشال مخططات الاستعمار القديم فى هذه المنطقة من العالم .وتجاوز دوره بكثير ، فلم يكن مجرد بطلا لحركة التحرر الوطنى ، أفريقيا فقط ، أو عربيا فحسب ، بل أصبح بلا منازع بطل التحرر الوطنى على مستوى العالم الثالث أجمع ، وملهما لحركات التحرير فى أفريقيا واّسيا وأمريكا اللاتينية .

وجعل جمال عبد الناصر ، من قضية الوحدة الأفريقية مرادفا لقضية التحرر الوطنى ، وأحرز نجاحات عظيمة فى تحقيق الوحدة الأفريقية ، كمؤسسا لها ،من خلال تجمع الدار البيضاء سنة 1961، ومنظمة الوحدة الأفريقية سنة 1963 ، والتى تحولت فيما بعد إلى الاتحاد الأفريقى ، الذى تتولى مصر رئاسته فى الدورة الحالية . وكا ن جمال عبد الناصر مناهضا قويا للتفرقة العنصرية ، وسياسات الاستعمار القديم ( سياسة فرق تسد ) فناصر بقوة سعى الشعوب الأفريقية ضد التفرقة العنصرية ، خاصة فى جنوب القارة ، ومناهضة روديسيا البيضاء ، حتى تحقق النصر للأفارقة ، وتولى الزعيم نيلسون مانديلا رئاسة جنوب أفريقيا .

هذا وقد استطاعت مصر 30 يونيو بقيادة الرئيس البطل عبد الفتاح السيسى ، أن يستعيد مكانة مصر المرموقة ودورها الريادى ، والقيادى ، على المسرح الأفريقى ، وذلك

فى زمن وجيز ، يكشف عن عبقرية السياسة الخارجية لمصر فى عهدها الجديد . ويدعونا الواجب إلى أن نتذكر بكل التقدير والعرفان الدور الكبير الذى لعبته شخصيات مصرية فذة ، ساهمت فى إرساء وتدعيم الروابط القوية بين مصر وأفريقيا ، وعلى رأسها ن الفارس الفذ السيد محمد فائق الذى أقام الجسور القوية بين مصر ودول وزعماء الدول الأفريقية ، والدكتور بطرس بطرس غالى ، الذى أولى علاقتنا بأفريقيا الاهتمام الفائق ، وكان أول رئيس لمنظمة الدول الأفريقية الفرانكوفونية ، وكذلك عميد العمداء الدكتور عبد الملك عودة رائد الدراسات الأفريقية البارز .

ويعد فوز مصر بتنظيم مصر لبطولة الأمم الأفريقية الحالية ، على هذا النحو الرائع غير المسبوق ، والذى أبهر العالم ، إحدى التجليات العظيمة للروابط والجذور التى تربط بين مصر وقارتها الأفريقية الواعدة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.