ادب

مقاربة لقصة “الهروب من البرواز” للكاتبة حنان مصطفى.. بقلم : هبة السهيت

 القصة شأن باقي قصص المجموعه أو أكثرها تنعي الزمن الجميل وتعقد مقارنة بينه وبين الواقع ، لترى في القديم كل الجمال والاخلاق والقيم النبيلة على عكس الحاضر .

 تنعي ما أصاب الإنسان من فقدان للأخلاق والقيم ، بل وفقدان للذاتية ، فقد أصبح انسان اليوم غريب عن الإنسانية .

 واستخدمت الكاتبة أسلوبها الأدبي الشفيف الأسيان للتعبير عن هذه المعاني في رومانسية عالية النبرة .

 وفي قصتها “الهروب من البرواز “استخدمت  الكاتبه تكنيك استحضار اشخاصا من الماضي لتتم المقارنة عبر عيونهم ، وعبر حياتهم السابقة ، وما يرونه في مجتمع اليوم ، وسلطت كاميراها ، لتلتقط صورا بعينها رأتها الأكثر وضوحا والأكثر دلالة . واستخدمت بروازا معلقا علي الحائط – كان موجودا في أغلب بيوتنا القديمه – يحتوي على صورة الآباء والأجداد لتخرج منهم هذه الشخوص لتحاكم الحاضر بعيون الماضي

 الصورة الأولى : كانت وقوف السيدات في الأتوبيس ، وجلوس الشباب والرجال على المقاعد .

 الصورة الثانية : التفلت الأخلاقي للشباب ، وتخلى المجتمع عن اليات الضبط الاجتماعي والتي تمنع التعدي  الأخلاقي على تقاليد المجتمع ، بل حدث ترهل لهذه التقاليد بحيث يُسمح اجتماعا دون نقد أو استهجان ؛لشاب وفتاة بالتقارب العلني دون أن تربطهما علاقة اجتماعية  .

 ومن خلال هذه اللمحة طرحت مفهوم الحرية ، وعدم طلاقته .ثم سلطت الكاميرا على جانب اخر من التدني الأخلاقي :

وهو افتقاد الاحترام بين أفراد المجتمع ، فالصغير لا يحترم الكبير ، والشاب لا يحترم المسن ، ثم حولت الكاميرا لتلتقط احد المظاهر الاكثر انتشارا في مجتمعنا وهي ظاهرة (السايس) الذي ينصب نفسه كصاحب للشارع أو مالكا للرصيف ، وعلى من يقف أن يدفع ، وإلا فلا مكان له ، وهو مظهر للفوضي الإدارية ، وليونة تنفيذ القانون ، بما يوفر مجالا خصبا للبلطجة .

–  ثم يجلس القادمون من الماضي  على القهوة ليتسني لهم تناول قدرا أكبر من السلبيات الاجتماعية ؛من خلال حديث رواد القهوة ما بين شكوى ارتفاع الاسعار إلى الثرثرة المنفلتة .

ثم ترصد الكاميرا تصرفا همجيا آخر لسيارة فارهة يلقي أصحابها كيس نفايات ، ليظهر هنا أن هذه الأمراض الاجتماعية ليست مقتصرة على طبقات تدفعها لها حاجتها الاقتصادية ، بل أصبحت  مرضا وجائحة أخلاقية  اصابت المجتمع بكل طبقاته.

وتنتهي الجولة برغبة الأشخاص القادمين من الزمن الماضي أو الزمن الجميل بالعودة إلى سجن البرواز ، فهو أفضل من حرية مزعومة ، ومجتمع ظاهر  البشاعة والدمامة والقبح .

 السردية منضبطة المبني في تصاعد منطقي ،تحمل في مضمونها نقدا اجتماعيا هادئا ، من خلال التركيز على بعض اللقطات .

 واستخدام الفانتازيا باستدعاء شخوص من الماضي ليحاكموا الحاضر ، كان شكلا موفقا ، خفف من حدة النقد المباشر

استطاعت الكاتبة أن تقنعنا بتفاصيلها الصغيرة على أننا بالفعل بحضرة أشخاص من الماضي ، واعتمدت على المفارقة بين رؤيتين مختلفتين لإبراز قبح الحاضر ، فبضدها تعرف الأشياء .

 والقصة تحمل مضامين أخلاقية راقية ، كماجاءت اللغة سهلة ، والحبكة متقنه، واستدعي النص “أحاديث عيسي بن هشام للمويلحي “ كتناص .

 وفتح النص مجالا للسؤال عن الأخلاق كإشكالية ، وطرحت أسئلة ، وفتحت افاقا للتفكر ، ما هي الأخلاق ؟  وهل الأخلاق نسبية أم مطلقة ؟ وهل الأخلاق ساكنة أم متطورة ؟ وما علاقة الاخلاق بالانساق الثقافية المختلفة ؟

وهو ما يعتبر إثراء للفكر من خلال ما يفتحه النص من استفسارات لدى القارئ .

والكاتبة تملك أدوات القص ، وتستخدمها بشكل جيد .

 وإن كانت المجموعة تكاد تكون ذات توجه واحد ، وربما كان من الأفضل تنويع الأشكال والمضامين لمنع الرتابه ولتشويق القارئ ولاستعراض مهارتها في تناول شتى المواضيع .

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق