ادب

 مقاربة لقصة “سر التاج” للدكتورة لبيبة الجنيدي .. بقلم : هبه آلسهيت

“سر التاج”

قصة قصيرة

 

دخل دكتور سليم الي معمله الصغير في حديقة منزله الكبير في المدينة الكبيرة…

أنه طبيب عبقري في مهنته كأخصائي الأمراض الصدرية في المستشفى الرئيسي بالمدينة …

ومؤخرا صمم على أن يصل الي اختراع مصل مضاد لفيروس كورونا المستجد…

واكتشف خلال أبحاثه العديدة ان قوة كورونا تكمن في التاج الذي يحيطه ويجعله امبراطور الفيروسات الفتاكة ..وصار عالي المقام أمام العالم كله..يحشدون له الجيوش والأسلحة والأموال والعلم…

إذن لابد من نسف هذا التاج المغرور ونزعه بأي طريقة حتي تتلاشي قوته…

وعكف د. سليم ..علي إجراء التجارب العمليه في معمله بكافة أنواع المواد الكيميائية والعقاقير الطبية وكل التفاعلات المتاحة وغير المتاحة..

واخيرا وبعد جهد شاق متواصل وسهر الليالي..توصل إلى المصل المعالج بنجاح…وبقي أن يجربه علي حيوانات التجارب المصابة بالفيروس التاجي كورونا …وأحضر الفئران والضفادع والقرود..تم حقن المصل للحيوانات المريضة…

وبعد يوم واحد فقط..استردت كل  الحيوانات صحتها وأصبحت تحاليلها سلبية…سلبية…

طار الدكتور سليم فرحا…وأرسل كل أبحاثه وتجاربه بالتفصيل للجهات المختصة والمسؤولة عن الأبحاث العلمية والطبية…

وجاء الرد…انتظر قليلا حتى يتم الانتهاء من دراسة اختراعك وتطبيقه على المتطوعين من البشر…وطلبوا منه أن يكف عن النشر لحين إشعار آخر منهم…

ولكن د. سليم ..إصابته صدمة شديدة من تلك الرسالة التي زادته إصرارا علي موقفه الواثق من اكتشافه…

وذهب إلى المستشفى الذي يعمل بها ..ودخل قسم الحجر الصحي الخاص بمرضي كورونا الموجودين على أجهزة التنفس الصناعي فوجدهم في حالة خطيرة وكأنهم موتي إلا من صوت ذبذبات الأجهزة الإلكترونية التي تعكس شهيقهم وزفيرهم بصعوبة بالغة..

وأخذ يحقن لهم المصل في سرية تامة…

وكانت المفاجأة المدهشة في الصباح الباكر..لقد استرد المرضي صحتهم ونهض الجميع من الأسرة البيضاء وعلت أصواتهم بفرحة الشفاء…

وجاء أطباء المستشفى للتأكد وأخذ عينات ومسحات للكشف عن الفيروس.. وجاءت كل النتائج سلبية.. سلبية في كل مرة..

لقد تم الشفاء العاجل فعلا….

وأخذ د. سليم يصول ويجول في المستشفى سرا ويعالج المرضي

وفي أثناء عمله اصابه اعياء شديد واجهاد وارتفاع في درجة حرارته وسقط مغشيا عليه..

وهرع الجميع إليه..وتم نقله إلي غرفة العزل للكشف عليه وأخذ مسحة من أنفه….وجاءت النتيجة صادمة …إيجابية ..لقد تأكدت إصابته بفيروس كورونا…

وأمر الأطباء المختصون بالبدء فورا بتطبيق بروتوكول العلاج المتعارف عليه….وهو يصرخ فيهم ويقول :

انقذوني … انقذوني….أعيدوني الي منزلي ومعملي حتي احضر المصل المعالج…فانا اكتشفت المصل المضاد لكورونا وجربته…

انقذوني….انقذوني…..

ولكن الأطباء اشفقوا عليه من نوبة الهذيان التي لازمته بسبب الحمي ..وتم حقنه بالمهدئات ..وسط ذهول الجميع…

وفي اليوم التالي…جاء مجموعة الأطباء ..لمتابعة حالة د. سليم

ولكنه كان……..قد فارق الحياة.

…. انتهت …..

د.لبيبة الجنيدي

…………………..

وهبه السهيت تكتب :

بدأت القصة بتصوير فيروس كورونا كملك متوج ، واكتشف الدكتور (سليم) أن هذا الفيروس  تكمن قوته في تاجه ،  فركز بحثه المعملي حول نزع هذا التاج ليفقد الفيروس هذه القوة .

 تميز هذا المدخل بعدة أمور ، أولها تناول موضوع هو موضوع الساعة ، ثم تقريب المنهج العلمي للأذهان أي الفحص ثم الفرض  ، ثم البحث عن الحلول بالتجربة ، تم ذلك في إطار أدبي وصورة نمطية لدى القارئ ، حول علاقة التاج بالقوة .

أرسل الدكتور نتائج أبحاثه للجهات الرسمية ، متصورا أن هذا الإنجاز والذي سينقذ الألاف من الموت ، ويوقف الوباء ، سوف يجعل الجهات المسؤولة تسارع في تبني هذا المصل . وتقاسمه حماسه .

 فأتاه الرد البيروقراطي الفاتر  “أمرا بالانتظار لحين تجريب المصل على البشر ، بل ومعه تنبيه بأن يحتفظ اختراعه سرا إلى أن تتم التجارب.

 – لكن الدكتور سليم قرر أن يتجاوز البيروقراطية ويقوم بعلاج المصابين في المستشفى الذي يعمل بها  بمصله الذي يثق في جدواه ، ويجربه سرا بالفعل على أشد الحالات تأخرا ، فيتم الشفاء فورا ، ويعالج به المرضى .

ويصاب الدكتور سليم بالمرض ، ويقرر الأطباء علاجه بالطريقة المقرره ، والتي ثبت فشلها ، ويصرخ فيهم الدكتور بالسماح له بالعودة إلى معمله لتحضير المصل ليعالج به نفسه ، فيعتبره الأطباء يهذي ، ويموت بالمرض الذي توصل إلى علاجه بل وعالج به الكثيرين سرا .

 والقصة تبرز لنا الصراع بين المبدعين في كل المجالات وبين مؤسسات متكلسه ، متصلبه ، تدفع النخبة من أبنائها للهجرة إلى بلاد تثمن وتحترم إبداعهم ،وتقتل إبداع من يبقى فيها . وكان هذا المعنى هو الأفق الذي تنتهي إليه الدلالات اللغوية في السياق . ويقرأها القارئ من خلال السرد دون التصريح به. ويفهمها من خلال دلالة السياق .

 ووظفت القصة هذا المعني بشكل أدبي إبداعي  مشوق ، الحبكة فيه متقنة ، والسرد متماسك ،والإيقاع فيه متنوع ،وتميز السر د بعدم الترهل ،  والقصة قدمت المعنى بعيدا عن التقريريه أو التلقين ، مستعينة بخلفية علمية ، جعلت المعني أكثر إقناعا ، وتسلل المعنى بنعومة إلى نفس القارئ ،والقصة  نقد اجتماعي ومؤسسي لاذع ، في إطار يربط العمل الأدبي بالوجود الإنساني . وينتقد الدولة التقليدية و التي تشيد سيطرة البيروقراطية ، فتكون أقوى من المجتمع بحسب تعريف ماكس فيبر ، وبحسب تصنيف وتعريف جورج بالانديه في (الانثروبولوجيا السياسية ) .

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق