فن وثقافةمركز دراسات كل العرب السياسية والإستراتيجية

“مملكة الأسود” نص مسرحي يعزز منظومة القيم الإيجابية لدى الطفل العربي  .. دراسة وتحليل : د. نعيمة حسن

 

صدرت عن دار يسطرون للنشر والتوزيع بالقاهرة المجموعة المسرحية  “تفاح وشطة”  للكاتب والأديب والباحث الاقتصادي صلاح شعير،  وهي عبارة عن  ثلاث مسرحيات مقدمة للمرحلة العمرية فوق 12 سنة، ويحمل العنوان تباين في المعنى، فالأول أي التفاح حلو المذاق الكثير منه مفيد، أما الشطة فهي لاذعة والكثير منها ضاراً، واختيار تفاح بصيغة الجمع لعل المؤلف أراد كثرة التفاح في المجموعة التي يقدمها – وهي هنا نكرة لتفيد العموم-  أي الفوائد الكثيرة التي سيجنيها الطفل من خلال المسرحيات الثلاث، والحقيقة أنه ضمّن عمله الكثير من الحكم المتناثرة على لسان شخصياته، وسأورد بعض منها أثناء تحليل نص مملكة الأسود.

نقطة انطلاق مسرحية “مملكة الأسود: هو أن الأسد الملك يريد أن يشكل حكومة جديدة، وأن يعين فيها ابنه أسامة خليفة له، مع استبعاد ابن عمه ولي العهد الأسد ضرغام، حتى لا يكون هناك أي  عائق أمام ابنه في تولي مقاليد الحكم من بعده، وذلك رغم رفض  زوجته، التي لا تريد لابنها أن يكون ملكاً خوفاً عليه من الصراعاتـ، ولكن دون جدوى فزوجها كان يسير نحو هدفه بقوة، وفي النهاية أدى التخبط والتبذير إلى فناء الغابة وضياع مقدرتها، ويمكن قراءة بعض القيم الإيجابية التي حملها النص كما يلي: 

الترشيد: تتحدث اللبؤة الملكة في بداية النص عن الإسراف في الطعام، بوصفه من أخطرالقضايا التي تهدد الأثرياء والفقراء على حد سواء، مما جعل هذه السلبية محور أساسي يوظف له الكاتب الأحداث التي ستصل بنا إلى تعليل سبب فناء الغابة.

عرض النص صورة الإسراف القاتل وخاصة في حفلات الزواج الخاصة بالحيوانات القوية فعلى سبيل المثال كانت المهور في مملكة الأسود هي الآلاف من قلوب وأكباد الحيوانات آكلة العشب، وهنا يظهر البعد الطبقي بين الحيوانات كاسقاط على ما يحدث في الواقع البشري من الغلو في المهور في بعض الدول لدرجة أن بعض الشباب يعزفون عن الزواج بسبب ذلك، وأن الطبقات الأقل إجتماعياً تكون المهور فيها  أدنى من ذلك.

ومن المقولات الشائعة:  “إن الشعوب على دين ملوكها”  وهذا  ما حاول التيار المحافظ في مملكة الأسود من التحذير منه،  حيث جاءت صرخة الأسد  شبل، وهو يمثل صوت الشباب المدافع عن أرضه، الخائف على مقدرات وطنه حتى لا يصبح المهر الذي سيدفعه ابن الملك تقليداً متبعاً عند البقية وهذا يهدد مستقبل الغابة كله.

توظيف الكفاءات: وفي إشارة ذات دلات مرتبطة بفكرة التنمية الإدارية أشار الكاتب  إلى أن اسناد الأمر لغير أهله  قد يؤدي إلى ما لايحمد عقباه،  وقد برز ذلك المعني عندما أسند الأسد الملك مهمة تغير النشيد الوطني للغابة إلى الثعلب والذي لم يكن يوما شاعراً، في إشارة تحذيرية مفادها أن نهاية الأمم مقترنة بمثل هذه التصرفات وذلك عندما  تبتعد المجتمعات عن تطبيق أليات شغل الوظائف طبقًا للتخصص والكفاءة،  فلا يمكن للثعلب أن يصبح شاعرًا.

وتبرز قيمة التوظيف الأمثل للكوادر حين أخبر الأسد الملك زوجه أنه سوف يختار الذئب الأسود لتولي مهمة وزارة الحراسة بالغابة، فأشارت عليه الملكة أن يعين الذئب الأبيض، حيث يرمز اختيار اللونين الأبيض والأسود للخير والشر، وحين يسخر الملك من قولها فيقول: “الذئب الأبيض والذئب الأسود كلهم ذئاب ومفترسون” وهنا إشارة أن طبيعة الذئاب لا تتغير بتغير ألوانها، فالجنس هنا هو الذي يحكم فعل الذئاب وليس لونها.

وأيضًا تبرز هشاشة أنصاف الرجال وقت الأزمات؛ وذلك عندما لا يقدرون مآل الأمور حيث الكروان الغارق في الوهم ولا يدري بما يدور حوله،  وينفق وقته في التدرب على نشيد الوطني لغابة مشرفة على الفناء، وهذا فيه إشارة إلى هؤلاء الذين لا يهتمون بأحوال الناس من حولهم، ولا يعرفون الأهم من المهم.

الإندفاع والتهور: يطرح الكاتب على الفتيان هو ضرورة التريث عند إتخاذ القرار وقد جاءت تلك القيمة من خلال التأثير العكسي عندما عرض من خلال النص فكرة المؤامرة  لإزاحة الخصم، حيث الحدث الأهم في المشهد الأول وهو التخلص من الأسد ضرغام ولي العهد؛  بدفعه لصيد ابن وحيد القرن منفردًا؛ فيقبل ضرغام ذلك بغرور ودون تدبر،  وقد أثمر اللعب على خصلة التهور والإندفاع إلى السقوط في الفخ،  حيث دافع قطيع الحيوانات عن أبن سيدهم وفقد ولي العهد عينه في المعركة وعاد جريحًا من الميدن،  لقد  نسى المتهور المثل الشعبي الشائع في الشارع العربي: “إن  الكثرة تغلب الشجاعة”

 الترابط وحب الوطن: كذلك يشير النص إلى أن ترابط وتآلف الجماعة من الجنس الواحد هي سبباً من أسباب قوة هذه الجماعة وتصديها لدحر أي عدو. وقد برز ذلك عندما استطاع  قطيع وحيد القرن من إنقاذ  ابن زعيمهم من الهلاك والتصدي ببسالة لدحر المعتدي رغم قوته  وذلك بسبب بإيمان المجماعة بقضية الدفاع عن النفس والعرض والأرض.

برز في مملكة الأسود نفسها قيمة تضافر الحيوانات المقهورة فيما بينها وقت الشدة، وذلك عندما حل الوباء بالغابة، ونجد هذا المعنى في قول الفيل للجمل: هيا نزور إخواننا، وتتسرب من هذه الجملة قيمة التعاون والتآذر والرحمة في المحن، والشدائد بين الناس.

المصالح الشخصية والعامة: يحذر من النص من خطورة تغليب كل ما هو شخصي على ما هو عام، حيث قبلت عموس التخلى عن حبيبها الأسد شبل، لأنها  ستتزوج من ابن الملك، وسوف تكون ملكة يوماً ما، غير آبهاً بما سيحدث لأبيها من جراء ذهابه لصيد وحيد القرن، والوقوع في المؤامرة التي أحيكت له، وهنا يتضح فادحة التأثير النفسي من داخل الفرد لتغليب مصلحته الخاصة على ما سواها.

أما الأسد شبل فكان صورة مغايرة  ونموذج لحب الوطن،  حيث تم توظيفه في النص  ليمثل عنصر الخير،  فهو يُغلب المصلحة العامة على الخاصة، فلا يلتفت كثيراً لرفض عموس الزواج منه، بل يحدثها عن وجوب الحفاظ على الغابة من الفناء، ويظهر في الحوار أيضاً الأسد الحكيم، الحريص على سلامة الجميع.

ولكن إزاحة الأصوات المعتدلة والحكيمة أدى إلى فناء الغابة في النهاية عندما انتشر مرض الكواليرا بين الحيوانات.

سيادة البشر على الأرض:  يبث الكاتب حقيقة جوهرية ألا وهي سيادة الإنسان على الأرض ولذا فهو  ينتصر على الحيوان بعقله، وعلى الطبيعة بعلمه، وهنا إشارة إلى قيمة التفكير عند البشر وقدرتهم على التطور، فإذا كانت الحيوانات تملك التفكير في تسير مهمة وجودها، والطيور تهاجر هجرات منتظمة، وتدافع عن صغارها، وتتعلم بعض الحركات والأصوات من الطبيعة أو من الإنسان، ولكن ما يميز الإنسان عنها هو التطوير فالإنسان دائم السعي لتطوير أفكاره، وفي النص ما يشير إلى قيمة التفكير في حياة البشر وتفوقه عن غيره من الكائنات بسبب هذا التفكير. قول ضرغام: “وهل تنجح في مواجهة عقله وعلمه الوافر”

الحل في مواجهة الوباء لن يتم إلا عند الاستعانة بالبشر، وهذا غير مألوف لدى الحيوانات فهي تفر دوماً من الإنسان. ويكشف النص عن المصالح التي جعلت معشر الأسود تزرع الخوف في عقول الحيوانات أكلة العشب، ليضمنوا توافر مصدر غذائهم وهي تلك الحيوانات الضعيفة، وهذا يشير إلى تسيس العامة، وغمسهم في آبار من الأوهام والقصص والشائعات، لتصبح بعد ذلك حقائق في عقولهم، أسفر تضليل الحيوانات عن السيطرة عليها من خلال تخويفها من البشر، فنشأت على الخوف منه على الرغم أنه في هذا الوقت تحديداً – وقت الإصابة بالكواليرا- كان البشر يقدمون المساعدة والعلاج للحيوانات، إلا أن الأسد الملك لم يصدق ذلك، إشارة أن ما نرثه من معتقدات عن الآباء والأجداد ربما يكون خطأ ونرى عكسه في الواقع، إلا اننا لانريد أن نغير أفكارنا، فنحن مأسورون لها، وإن كانت كل الدلائل حولنا تشير إلى  غير ذلك.

العقاب العادل:   من خلال التأصيل للقيم الإيجابية نجد أن الكاتب نجح في  إقناع المتلقي بأن مرارة الظلم سوف تُسقى للظالم في نهاية المطاف؛  فالأسد ضرغام عندما ظلم نفسه بدخوله في صراع غير متكافئ، تجرع مرارة العمى، وتبدل حاله وأصبح يشرب من الماء الراكد بدلاً من الماء المتدفق وهو مبصر، كما أن زعيم مملكة الأسود نفسه سقط صريعًا بسبب  المرض الذي ضرب مملكته نتيجة تلويث البيئة جرّاء قتل آلاف من الحيوانات بغيًا،  وتلك العظة موجهة لكل من تسول نفسه بالطمع والحمق والتكبر النيل من الأبرياء.

الإقرار بالخطأ: برز ذلك عندما  تراجعت عموس عن أحلامها حين عرفت أن أباها قد مات، وقولها تباً للسلطة، إنه إشارة لحالة وجدانية تصيب كل من تعدى حدوده في الأحلام، وحاول تحقيقها بطرق غير شرعية، نهاية كل الإنتهازيين والحمقى والمتكبرين، والذين يعميهم حلمهم بالسلطة عن كل المؤامرات التي تحاك ضدهم، فيقعون في بئر لا قرار له.

وأيضُا تضحية ملك الغابة الأخيرة، وهو يقول أريد ان أفعل شيئاً له قيمة قبل الموت، تلك النزعة التي تصيب الإنسان عندما يقترب أجله، واعترافه بزوال ملكه، وتلك نهاية حاكم يبني حياته على الجشع والإسراف، أو التفرد بالكرسي، وإهمال  الرعية.

يتلخص الهدف من المسرحية في جملة  وردت على لسان الملكة عندما قالت : “ليت كل مخلوق في الدنيا يعرف أن البذخ والتبذير يدمران المستقبل”

وفي نهاية المطاف يمككنا القول بأن “مملكة الأسود”  نص مسرحي  تم بناءه لتعزيز منظومة القيم الإيجابية  لدى الطفل العربي.

 **********************

كاتب المقال :

 متخصصة في المناهج وطرق تدريس

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى