مقالات

“من أدب الشوارع .. التعالى على الجراح ” .. بقلم د. جيهان محمد أبو اليزيد

   آنست وجوده بالشارع الضيق الذى أمر منه اختصارا للمسافة حتى أصل لسوق وسط المدينة، كلما مررت بجواره أجده جالسا على رصيف مسجد الحى، ينادى ويتحدث لشخصية وهمية، ألقى عليه السلام فيندهش لاختراقى العادات والتقاليد،  مع عدم رده أصبح سلامى من عادة مرورى، حتى لان قلبه وبدأ يرد سلامى ويبتسم لى، كنت دائما انتبه لكلمات اللوعة والشوق المكتوبة على أسوار البيت القديم الذى يجلس بمقابلته فوقفت أتأملها ، فجاءني صوته لن تفهميها !! فوجدتها حجة لأتحدث إليه فاقتربت منه وسألته عن معنى الكلمات المكتوبة باللهجة الحساوية (شرق السعودية) والمزين بها سور المنزل ، تلك الجمل والكلمات التى تعد من أدب الشوارع تتعالى بها القلوب على جراحها واشتياقها خاصة في الثقافات المتشددة أو فى ثقافتنا العربية عامة لخجل البوح ، بعد زفرة وتنهيدة طويلة نظر لى بابتسامة حزينة، فجلست بجانبه على الرصيف ودار بيننا حديث ممتع وجميل به شذى الفكاهة والحزن.

 حينما استفسر منى عن مرورى المعتاد من الشارع خبرته أننى استبشر بوجوده كلما مررت عليه فيوفقنى الله فى شراء أشيائى، وخجلت أن أعترف له أن مرورى الأصلى لسببين: أولهما وجود بقالة صغيرة بالشارع أجد بها طلبي النادر وهو الكبريت وخاصة الباكستانى لأنني دقة قديمة ولا أفضل إشعال موقدى بالإشعال الذاتى، وثانيهما والأهم لأنني أعشق رائحة الأرجيلة التى يدخنها دائما بل أتلكأ فى مشيتى لأستنشق أكبر قدر !!، وسط ضحكاتنا تمر ختيارة الحى أعرفها من مشيتها وترمقنى بنظرة حامية يستشعرها ويراها قلبى من تحت نقابها، لا القى لها بالا بل أنهض سريعا لأصد كرة قادمة باتجاهنا من أقدام صبية الشارع يهلل الصغار في بهجة فأشعر أننىكاوليفر كان، ترمقنىالختيارة مرة أخرى عند عودتها وتصرخ في الصبية وأشعر بزفرة نار تجاهى.

 أتخيل لو علمت أننى أتمنى لفة صغيرة بالدراجة التى يقودها أحد الصبية فمؤكد ستطلب لى هيئة الأمر بالمعروف، ابتاع الكبريت الباكستانى وحلوى لصبى الدراجة فيعدنى بلفة ليلا حتى لا يرانى أهل الشارع، أصدق وعده وابتسم ولما لا أصدقه وقد رشوته بالحلوى وغنيت له “على العجلة وراك خدنى يا حيدر” حتى اغرورقت عيناه بالدموع من كثرة الضحك.

تركت الجميع يبتسم ..أسير كتابات الأسوار وصبية الكرة والدراجة، باستثنائها فنظرتها للجميع كلهيب نار.. سيدتى الجميع يتعالى على جراجه من كتب على الأسوار ومن يكتب على الفيس أو تويتر، ربما هناك من يحتاج لجلسة حانية تذكره بوالده ليتعالى على جراح جسده قبل روحه أو يشتاق لحديث قلوب أو أُنس صديق أو حتى …. لفة بالبسكلتة .. فالجميع يستميت فى محاولة التعالى على الجراح .

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى