مقالات

نبيل نجم الدين يكتب..من هزيمة يونيو إلى نصر أكتوبر

كنت تلميذاً في الصف الثالث الإبتدائي، عمري تسع سنوات، أقف في شرفة بيتنا بمدينة الحديد والصلب في حلوان جنوب القاهرة،

صباح الأثنين الأسود الخامس من حزيران / يونيو من عام 1967م.

فجأة ألمح طائرة الفانتوم الحربية الاسرائيلية تمرق كالسهم على إرتفاع ثلاث طوابق..

لا أنسى حتى اليوم نجمة داود اللعينة في

ذيل مقاتلة الفانتوم تحيط بها هالات الدخان الأسود..
صرخت بكل عفوية “النجدة النجدة النجدة “مرت دقائق قليلة ثم صكت أذناي أصواتُ إنفجارات صاعقة أسمعها لأول مرة في سنوات عمري الصغير، الانفجارات كانت داخل ما كان يطلق عليه” آنذاك قلعة الصناعات الثقيلة.. مصنع الحديد والصلب”
إذن أبناء الأبالسة وصلوا عقر دارانا في مصنع الحديد والصلب..
كل ما سبق لخص ببلاغة ملامح وبؤس وبشاعة وأبعاد هزيمة النظامين المصري والعربي من إسرائيل في حزيران من عام 67.
بعد ست سنوات في ظهيرة يوم السبت السادس من أكتوبر الناصع من عام 1973م. هادراً بنداء الله أكبر الله أكبر.. عبر الجيش المصري العتيد جبهة مفتوحة بطول 180 كم من بورسعيد شمالا الى السويس جنوبا

وعزفت الجيوش العربية في مصر وسوريا اروع سيمفونية نصر عربي في التاريخ الحديث،
إنطلقت في تمام الساعة الثانية من ظهيرة السادس من أكتوبر 400 مقاتلة و100مروحية مصرية عبر جبهة قناة السويس وعلى إمتداد 180 كيلومتر من بورسعيد شمالاً إلى السويس جنوباً تلقي قنابلها وتقصف بصواريخها دشم خط بارليف الممتد بطول قناة السويس، وكذلك مراكز قيادة جيش الاحتلال الاسرائيلي في وسط سيناء..

في ذات الوقت إنطلقت على جبهة الجولان السورية 100 مقاتلة سورية تدك مواقع الاسرائليليين في هضبة الجولان،

وإستكمالاً لسيمفونية النصر الخالدة وتزامناً مع الضربة الجوية فتح سلاح المدفعية المصري نيران 2000 مدفع من مختلف العيارات،

وكذلك إنطلقت الصواريخ التكتيكية أرض أرض تدمر أهدافها في عمق سيناء، واستمر القصف المدفعي ما يقرب من الساعة حيث بلغ معدل القصف المركز10500 دانة مدفع في الدقيقة، بمعدل 175دانة في الثانية الواحدة..

وتحقق أول إنتصار عسكري عربي في التاريخ الحديث، ذلك الانتصار الذي دفع جولدا مائير رئيسة وزراء إسرئيل آنذاك إلى فتح الخط الساخن مع واشنطن تولول طالبة النجدة بندائها الشهير” إنقذوا إسرائيل SOS”..

هبت واشنطن تلبي نداء صنيعتها ودشنت جسراً جوياً من الإمدادات العسكرية الحديثة نُقلت على وجه السرعة من مخازن قواعد الجيش الأمريكي في أوروبا مباشرة إلى مطار العريش العسكري، ومنه إلى جبهة القتال،

حتى أنني أذكر أن عداد إحدى دبابات باتون BATTON الأمريكية التي أسرها الجيش المصري وعرضها في معرض الغنائم في أرض الجزيرة بعد الحرب كان العداد يسجل 65 كم فقط لاغير..

وزودت واشنطن إسرائيل بما أطلق عليه آنذاك القنابل التلفزيونية SMART BOMBS التي إستخدمت لأول مرة في تاريخ الحروب ضد الجيش المصري،

وخصصت واشنطن قمراً صناعياً عسكرياً فوق جبهة العمليات الحربية لتسجيل كافة تحركات الجيوش المصرية شرق وغرب القناة، الأمر الذي استثمرة أرييل شارون في تنفيذ ثغرة الدفرسوار الشهيرة وهي الثغرة التي أرادت واشنطن من تسهيل تنفيذها إعادة التوازن لميدان المعركة، وحفظ ماء الوجه، والضغط على المصريين لقبول وقف إطلاق النار وبدء التفاوض..

ذلك النصر العربي المجيد في أكتوبر 73م. لم يأت صدفة بل كان ثمرة لتخطيط وتنسيق وتنظيم ونضج وإخلاص وإصطفاف عربي نادر حول هدف واحد هو إستعادة الكرامة والأرض.

قام الزعيم المصري الخالد محمد أنور السادات بجولات إلى العواصم العربية شرح فيها الهدف والخطة والضرورة، وألتقت إرادة ذلك الرجل المخلص مع إرادات الزعماء التاريخيين في العواصم العربية،

فالزعيم الجزائري هواري بومدين بعث إلى الإتحاد السوفيتي بشيك على بياض قائلاً لهم ” أكتبوا المبلغ الذي تريدون وأشحنوا إحتياجات الجيش المصري”

وأرسل الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية بتجريدة عسكرية إلى الجولان،

وأبرم القذافي صفقة مقاتلات الميراج مع فرنسا لصالح القوات الجوية المصرية، واحتضن الكليةالبحرية المصرية في السوحل الليبية،و

ووضع العراق وحداته العسكرية تحت أمرة القيادة في سوريا ومصر،

وشارك الأردن في الحرب بإرسال اللواء المدرع 40 واللواء المدرع 90 ورفع درجة استعداد القوات الملكية الأردنية إلى الدرجة القصوى يوم السادس من أكتوبر،

وشارك السودان بفرقة مشاة كاملة على الجبهة المصرية وفتح أراضية لاحتضان الكليات العسكرية المصرية.

دول الخليج سطرت قياداتها التاريخية حروفاً من نور في سيمفونية أكتوبر، حين قال الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز” إن ما نقدمه هو أقل القليل مما تقدمه مصر وسوريا من بذل أرواح جنودهما في معارك الأمة المصرية،

لقد تعودنا على عيش الخيام، ونحن على استعداد للرجوع اليها مرة أخرى، وحرق آبار البترول بأيدينا، ولا تصل إليه أيد أعدائنا.” وقررت المملكة حظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة للعدو الاسرائيلي،

ولم يتوان الشيخ زايد آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة عن المساهمة الكاملة في سيمفونية النصر وقال” إن النفط ليس أغلى من الدم العربي.”
وشاركت الكويت بـ 5 طائرات هوكر هنتر إلى مصر وطائرتي C130 لنقل الذخيرة،

وأغلق اليمن باالمندب وشاركت المقاومة الفلسطينية في تنفيذ غارات وزرع ألغاما في تجمعات العدو.

كان هذا هو حال القيادات العربية التاريخية التي عبأت شعوبها التواقة إلى النصر والكرامة.

لذا فإن إستحضار روح أكتوبر العربية المجيدة هو السبيل الوحيد أمام أمتنا للخروج من حالة الإضطراب والتشرذم والهوان التي نمر بها

والله لا يغير ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم.
نبيل نجم الدين الحداد
الكاتب المتخصص في العلاقات الدولية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق