مقالات

“هذا الأسد .. من ذاك الأسد” .. بقلم: محمود عوضين

يجدر بنا ونحن فى غمار الدورة السابعة عشر لمهرجان مسرح الهواة بالجمعيات الثقافية – والتى تقام على مسرح قصر ثقافة الأنفوشى بالأسكندرية عروس المتوسط – أن نحيى ذكرى الرواد الذين نهضوا بالحركة النقدية من خلال فكرهم المستنير ، وأن نحتفى كذلك ، بالإسهامات والإنجازات الكبيرة للمعاصرين ، الذين أثروا الحركة المسرحية بجهدهم الخلاق.

ومن هؤلاء واولئك، ومشاركة منى فى فاعليات هذه الدورة ،اّثرت أن أتحدث عن رائد كبير من رواد الحركة النقدية ، تكريما له وإحياءلذكراه ، وهو الناقد الكبير الأستاذ فؤاد دوارة الذى ولد بالإسكندرية ، وعاش فيها ، وتلقى تعليمه العالى فى جامعتها ، معقبا على ذلك بالاحتفاء بالفنان القدير الدكتور عمرو فؤاد دوارة ، استنادا إلى أن ” هذا الأسد ..من ذالك الأسد “.

ومبعث اختيارى لصاحب القامة الرفيعة الأستاذ فؤاد دوارة ، أنه كان قد تم اختيارى فى أوائل عام 1972 للانتظام فى دورة تدريبية تخصصية عن ” القيادة ” والتى تم تنظيمها بمركز إعداد الرواد الثقافيين ، بالهيئة العامة لقصور الثقافة ، وكان مديره فى ذلك الوقت ، هو الأستاذ فؤاد دوارة ، الذى وصفه الراحل الكبير الدكتور على الراعى بأنه (عاشق المسرح الرصين ) ، وكتب عنه الكاتب الكبير الراحل توفيق الحكيم ” أن الصفة البارزة التى عرف بها ، هى صفة ( الناقد الجاد )، والجدية عنده ، قد بلغت حدا يمكن وصفه (بالفدائية ) ، كما كتب الناقد الكبير عبد الفتاح رزق ، معددا سماته : ” جدية مفرطة ..تجهم كامل فى الحق ..لاحل وسط .. العضو الفاسد يجب بتره .. المجاملة قاتلة ..ولأول مرة ألتقى بالرجل الذى ينتقد رئيسه فى العمل ، وفى كل مرة يحمل فى يده ورقة استقالته . كان خليقا به عصر الفرسان وحده ، لايترجل ولا يتنازل ، وفى الوقت الذى قفز فيه من هم أقل منه كفاءة إلى المناصب القيادية ، بقى هو فى منصب رفيع غريب ، أسماه ” رئيس القلم “.. ونسأله : أى قلم ؟..فيجيب : قلمى !..

وأود أن أسجل شهادتى عن هذا الرجل الجدير بكل تقدير واحترام ، فقد كان مثلا رائعا فى الشهامة والشرف ، والمصداقية ، والثقافة الموسوعية ، والقيادة الإدارية الواعية والحازمة ، المتسمة بالديموقراطية ، والرأى الحر ، واحترام الرأى والرأى الاّخر . وتأكيدا على ذلك ماكان ينظمه لنا من لقاءات مع قمم عليا من الكتاب والمفكرين الكبار ، ومنهم الأديب الكبير يحيى حقى ، والكاتب الكبير توفيق الحكيم ، الذى التقينا به فى إحدى قاعات الأهرام ، ودرات المناقشات حول القضايا العامة المطروحة على الساحة ، واشتبكت معه فى مناقشة حول ” الرقابة على الصحف “. وبعد عدة أيام من هذا اللقاء ، وبناء على طلب كريم من الكاتب الكبير توفيق الحكيم ، أوفدنى الأستاذ فؤاد دوارة ، لمقابلته فى مكتبه بمبنى الأهرام ، فاستقبلنى استقبالا حسنا ، ومرحبا ، وأثنى على حوارى معه ، وذلك فى حضرة الدكتور على الراعى ، الذى تصادف أن كان ضيفا عليه فى ذلك اليوم . وفى هذا المشهد ، ومثيله من اللقاءات مع كبار الكتاب والأكاديميين ، لم يحدث أن كان هناك حجر على رأى ، أو مصادرة لفكر . رحم الله ذاك الأسد فؤاد دوارة ، كان رجل عصر الفرسان .

أما حديثى عن الدكتور عمرو فؤاد دوارة ، فإن ذلك يرجع إلى أننى عشت معه تجربة فريدة بكل المقاييس . ففى العام 2002 ، وكنت حينها مازلت فى الحياة الوظيفية ” رئيسا للإدارة المركزية لإقليم غرب ووسط الدلتا الثقافى ” ، وأردت أن يكون احتفالنا فى هذا العام ، باليوم العالمى للمسرح ، الذى يحل فى اليوم السابع والعشرين من شهر مارس من كل عام ، أردته أن يكون احتفالا بشكل مختلف وغير مسبوق، وذلك بأن أستن تقليدا جديدا ، وهو الاحتفاء بأحد رموزنا المسرحيين العظام ، فى إطار الاحتفال باليوم العالمى للمسرح، بدلا من الاقتصار على مجرد إلقاء كلمة يكتبها أحد كبار الفنانين والمبدعين فى العالم ، وتقوم المنظمة الدولية للمسرح ، بتوزيعها ، لكى تقرأ فى هذا اليوم من فوق خشبات المسرح فى دول العالم .

وتحقيقا لهذا التجديد المبتكر فى الاحتفال باليوم العالمى للمسرح،قمت باختيار مسرحية ( المحروسة 2015 )التى كتبها فارس المسرح وعاشق المحروسة ، أستاذنا العظيم ، الرائد الكبير الكاتب الراحل سعد الدين وهبة . وكان حافزى لهذا الاختيار ، مايحتويه هذا النص ، من استبصار بالمستقبل ، واستشراف للمخاطر التى تنجم عن التطبيع مع العدو الإسرائيلى ، فكانت هذه المسرحية بحق ” صرخة تحذيرية ” وناقوس خطر يدق ، للتنبيه نحو ماواجهناه – ومازلنا – من مخططات تاّمرية صهيو أنجلو أمريكية ، ضد مصر والأمة العربية .

ومن المدهش ، أن يكتب سعد الدين وهبة ، هذه المسرحية عام 1995، ليتنبأ فيها بما سيحدث فى العقود القادمة ، وهو مانعيش تداعياته حتى الاّن ، على امتداد المنطقة العربية . وقد تزامن اختيارى هذا ، مع الاعتداءات الوحشية البربرية ، التى تمارسها اّلة الحرب الاسرائيلية ، على شعبنا العربى الصامد فى فلسطين، وكافة الجبهات العربية .وكان اختيارا متعمدا ودقيقا ، مستهدفا فيه التصدى ثقافيا وفكريا للأطماع الصهيونية ، وتوعية الأجيال الجديدة بها ، وتحقيقا للرسالة السامية للمسرح ، كأداة حرب فى المواجهة الفكرية والثقافية ، ضد العدولإسرائيلى .

وكان لابد لى من اختيار مخرج جسور ، قادر على إخراج هذه المسرحية ، التى تقدم لأول مرة على خشبة المسرح ، والتى كانت محل ممانعة من الرقابة ، ولم يسمح بعرضها من قبل . ولهذا ، ومن واقع تعاملاتى السابقة ، قمت باختيار رجل المهام الصعبة ، ورجل التحديات الكبيرة ، المخرج عمرو دوارة ، المشهود له بالكفاءة العالية ، والخبرة الواسعة فى التعامل مع الهواة ، وسجله المسرحى الحافل بالإنجازات الكبيرة ، والمشهور بكونه وريث المخرج الاستثنائى القدير الرحل كرم مطاوع ، حيث عمل مساعدا له لأكثر من عشر سنوات..

وكان أن أنجز عمرو دوارة هذه المهمة العاجلة والشاقة – لاقتراب اليوم العالمى للمسرح ،فى زمن قياسى لايتعدى خمسة عشر يوما ، وبميزانية ضئيلة وشديدة المحدودية ، لم تتجاوز 15 ألف جنيها ، وبمشاركة كتيبة من الفنانين الهواة ، وكثير منهم يعتلى خشبة المسرح للمرة الأولى ، وكانوا من نوعيات شتى بمسارح الهواة فى المدارس والجامعات والشركات والفرق الحرة . ويحسب لعمرو دوارة ، قدراته القيادية ، ومهاراته الفنية الفائقة فى توظيف أكثر من 50 ممثلا وممثلة فى هذا العرض الاحتفالى الكبير ، وكل فى دوره المناسب تماما . وفى هذا العرض برزت زميلتى الفنانة السكندرية القديرة عارفه عبد الرسول ، وتألقت كوكبة متميزة من فنانى التحدى السكندريين ، الذين شاركوا فى هذا العرض بعد تدريبات شاقة ومكثفة خلال 15 يوما .

وجدير بالذكر أن تم تقديم هذا العرض على خشبة مركز الحرية للإبداع بالأسكندرية ، وشرفه بالحضور الفنانة القديرة سميحة أيوب ، أرملة الكاتب الكبير سعد الدين وهبة، والأستاذ أنس الفقى رئيس هيئة قصور الثقافة الأسبق ، وجمع حاشد من الصحفيين والإعلاميين والنقاد ، وجمع كبير من المثقفين والفنانين السكندريين ، وكان عرضا مبهرا بحق . ولتميزه الشديد تم اختياره للعرض على مسرح السلام بالقاهرة ، فى افتتاح الدورة الثانية لمهرجان المسرح العربى للهواة .

واستكمالا لمراسم التكريم والاحتفاء الواجب بأستاذنا العظيم سعد الدين وهبة ، تم تنظيم حلقة بحثية عن مسرحه ، شارك فيها الأستاذ الأكاديمى الراحل الدكتور محسن مصيلحى ، والأديب والناقد مهدى بندق ، وتم طبعها فى كتيب أنيق . وقد أشاد بهذا العرض الكثير من الكتاب والنقاد ، وعلى رأسهم الناقدة الكبيرة اّمال بكير ، والكاتبة الكبيرة سناء فتح الله ، التى وصفت هذه الاحتفالية بأنها تمت بأسلوب له رقى خاص ، ووصفت مطبوعاتها بأنها ” شديدة الأناقة ” وربما لم يقدم مثلها فى فرنسا نفسها ، مقر المنظمة الدولية للمسرح .فتحية وتقديرا لعمرو دوارة ، وحقا “هذا الأسد من ذاك الأسد” وتلك العبارة التى اخترتها عنوانا لمقالى ، مقتبسة من أستاذى العظيم سعد الدين وهبة .

——————————————-

كاتب المقال :

محمود عوضين

– مدير عام الجمعيات الثقافية

– وكيل وزارة الثقافة الأسبق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق