مقالات

“هكذا نتذوق لوحات الفن التشكيلي !! ” ..  بقلم : د. حسن محمود

 ندوة (منتدى المحكيات للآداب والفنون) ، ما بين التاريخ والثقافة والفن، تجاوز وقتها الساعتين بمقياس الزمن الحالي، لكنها نقلتنا في رحلة ممتعة استغرقت آلاف السنين. كان العنوان المقترح ( كيف نتذوق الفن التشكيلي)، فإذا بنا نتحدث ونتحاور في ( كيف تذوق القدماء الفن التشكيلي) و ( أين نحن منهم الآن؟).

بدأت الندوة بعرض بعض الأعمال الفنية الزيتية للأستاذ الدكتور خالد هنو، التي تنبض بجمال وعبق شوارع وحواري وميادين الإسكندرية، وقد جمعت ما بين دفء الألوان وعمقها، وجمال الأفكار ورونقها، ورقة المشاعر ونعومتها.

ثم بدأ الأستاذ الدكتور حديثة الرائع بحقيقة أذهلتنا جميعا، وهي أن ذلك التطور الذي طرأ على تاريخ ( فن الرسم) وجعله غير مفهوم لكثير منا، هي تلك النظرة الاستعمارية التي تبنتها ( أمريكا) كدولة استعمارية ناشئة!! … فقد أرادت أن تصنع لها تاريخا وحضارة، مثلما فعلت ذلك في مجالات أخرى مثل الأدب والعلوم، فقد تبنت الكثير من المدارس الفنية الحديثة التي لا يراها غالبية الجمهور إلا نوع من ( العبث) و( اللامعقول)!! وجعلتها تتصدر المشهد الفني العالمي، وتقنع العالم بأن هذا هو الفن الحديث أو ( فن ما بعد الحداثة).

وعرّج بنا على المدارس الفنية المختلفة، بداية من الرسومات التي تواجدت على الصخور منذ آلاف السنين، ثم ظهور المدارس الفنية المختلفة مثل التأثيرية والوحشية والتعبيرية والتكعيبية والتجريدية إلى آخر تلك المدارس التي تميز كل منها بمجموعة من الخصائص والمزايا، وبرع فيها بعض الفنانين الذين تركوا لنا إرثا فنيا عظيما.

ثم قُمت بعرض بعض اللوحات التي تمثل المدارس الفنية المختلفة، وكانت آراءه سديدة وواقعية، وتبين ذلك اللغط الذي يظهر حول بعض اللوحات، وكيف أن أسعار هذه اللوحات ترتبط ارتباطا شديدا بالمصالح الشخصية للفنان، فكل فنان له نقاده وبطانته الذين يكيلون له المديح دوما، ويصنعون منه نجما في عالم الفن، مثلما يحدث تماما في عالم الأدب – للأسف-، فليس كل مبدع مشهور هو موهوب بالفعل، وليس كل فنان معروف هو عبقري في الواقع، فقد شاركت الميديا في صناعة العشرات بل المئات من الفنانين والأدباء في شتى المجالات، تطبيقا للنظرية الأمريكية في كيفية صناعة النجم.

ومن ضمن تلك اللوحات التي عرضتها، لوحة تم شراءها بحوالي ( اتنين مليون جنيه)، وهي لفنان مصري تمت صناعته في غفلة من الزمان، وهي للأسف لا تحمل أي قيمة فنية أو أبعاد فكرية، أو نظرة عبقرية!!

ثم عرضت لوحة أخرى لمدرسة فنية حديثة ( Super realism )، وفيها ينقل الفنان صورة من الطبيعة بأسلوب يغلب عليه الحرفية الشديدة، حتى إنك تكاد أن تخلط ما بين ( اللوحة الزيتية) و ( الصورة الفوتوغرافية)، وكان رأي الدكتور خالد إن هذه المدرسة من أسوأ المدارس الفنية التي ظهرت على مدار التاريخ، أو قل ( أقلها ابداعا وحرفية)، حيث إنها لا تحمل إحساس الفنان، ولا تظهر عبقريته وتميزه.

ثم بدأت المداخلات من الحضور، وكانت أكثر من رائعة، ودارت في معظمها حول الفن التجريدي، وقدرة الشخص العادي على استيعابه، والاستمتاع به، والعناصر الأساسية والمعايير التي يمكن من خلالها الحكم على جودة العمل الفني، وقد علق الدكتور خالد على لوحتين من الفن التجريدي، إحداهما أنها ( رائعة) وعلى الأخرى بأنها( متواضعة) وبيّن لنا المعايير التي استخدمها.

وارتفعت درجة حرارة الحوار عندما تحدثنا عن اللوحة الأشهر ( الموناليزا)، وكان لي رأي في ندوة سابقة عن هذه اللوحة بالذات وهو إنها ( لوحة متواضعة… بها كثير من الأخطاء الفنية)، وهو رأي رآه بعض الأصدقاء رأي ( شاذ)، لكن الدكتور خالد فاجأنا بتأكيد رأيي المعلن من قبل، وقال إنها من ( أسوأ) لوحات دافنشي!! … لكن ذلك لا يبخس حق دافنشي في ريادته لهذا النوع من الرسم، فهو عبقري بالتأكيد ورائد من رواد الفن التشكيلي، وهذا لا يمنعنا أبدا في إبداء آراءنا في هذه اللوحة بالذات.

وهنا داهمنا الوقت، وكان لا بد من اللحاق بمباراة كرم القدم بين المنتخب والكونغو…

.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.