فن وثقافة

هناء محمد تكتب : ردُ الجميلِ ..” قصة قصيرة”

جاء من أقصى الأيام ِ لِيُلبسنا ثياب المغفرة، ويطهر نفوسنا بالرحمة، تلك النَّفحات التي تُثلج الصُّدور لم تمنعه من أن يدق عليها الباب طالباً منها أن تجهز أمتعاتها؛ لِتناول الإفطار في مكان أخر، إنَّها تُحسَ بمجيئ هذا اليوم، تنظر إلى حفيدتها، تُقَبِلها، تُهدهدها حتى لا تبكي، صغيرتي سوف يأخذني والدكِ إلى مكان جميل، يستقلان السَّيارة معاً، ينطوي الطريق كعمرها سريعاً، وقبل أن تنزل تفتح حقيبة يدها، تخرج صورة ممزقة كمشاعرها تلم أشلائها بشريط لاصق؛ لِتُحيها في أيام وحدتها الموحشة، تضع له علبة تمرٍ صغيرة بجانب كرسيه، قائلةً : له سوف يؤذن عليكَ المغرب في الطريق أقِم صُلبكَ ببضع حباتٍ منه، ولا تقود بسرعة حتى لا ينخلع قلبي عليكَ، تدخل بمفردها إلى دار الحنان، ينطلق كالصَّاروخ بسيارته، يصل منزله، يَشْعُر بضيقٍ في صدره وكأنَّ خيوط العنكبوت تتدلى؛ لِتَخَنِقَه، يجلس على طاولة الطَّعام، تثقبه نظرات من ابنته الصغيرة لا يستطيع تفسيرها، يتناول الإفطار لكن لا مذاق له في فمه، ينفجر بالبكاء، تتسارع أنفاسه كأنَّها تأبى الاستقرار في ذلك الجسد، تهدئه ابنته الصغرى، تقول له : لا تبكي يا أبي سوف أخذكَ إلى مكان جميل كالذي ذهبت جدتي إليه عندما أكبر، ينتفض من مكانه كالبركان فاتحاً باب منزله على مصراعيه، يركب سيارته، ينطلق مسرعاً، حتى يصل إلى دار الحنان، يدخل غرفتها، يراها تجلس على كرسي لا ظهر له لكنَّها مُنتَصِبه كعادتها، في يدها مسبحتها ذات الأحجارِ الكريمة، التي أهداها إليها والده يوم ولادته فاتحة النَّافذةِ، تستأنس بتلك النُّجوم المضيئة كأنَّها هي التي أضأتها بنور وجهها، يُحدِثُها وعيناه في الأرض خجلاً، كنتِ تعلمِ أنِّي سوف أعود إليكِ، أنتِ تنتظريني، أليس كذلك يا أمي؟ يمسك يدها؛ لِيُقَبِلها تسقط المسبحة، تنفرط حباتها من خيطها التَّالف ومعها ورقة قد كتبت فيها (أحببتُكَ أكثرُ من نفسي) يتهاوى مغشياً عليه مردداً أمي.. أمي ، يهدئه المُعتكِفون داعين له بالعتق من النَّار في هذه الليالي المباركة، قائلين له: إنكَ حقٌ ابن بار، فينفجر بالبكاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى