مقالات

 ورش الكتابة الإبداعية حقيقة مثمرة أم وهم زائف ؟ .. بقلم : رانيا ثروت

مع ازدياد أعداد الراغبين في خوض غمار الكتابة الأدبية بمختلف صنوفها  من ذوي المواهب المختلفة والمتوهمين إمتلاكهم لهذه المواهب ، تنامت الحاجة في الأونة الأخيرة لوجود كيانات تدريبة إنتقائية تعمل علي إبراز وبلورة الموهبة و إمدادها بما تحتاج إليه من أدوات وعلم لتستطيع التعبير عن نفسها وإمكانياتها بشكل حقيقي  وكسر الوهم عند من يتوهمون إمتلاكهم لهذه الموهبة الأدبية بموضوعية ودون مواربة .

لذا يجب علي من يقوم بتحمل مسئولية هذه الكيانات الأدبية التي يطلق عليها مسمي ” الورش التفاعلية للكتابة الأدبية ” أن يتمتع بخبرة إبداعية لا بأس بها ، وأن يكون له إنتاج أدبي متحقق في المجال، وموثوق في قلمه الإبداعي، وأن يكون متمتعاً بقدرة نظرية على الشرح والتوضيح، وفقاً لرؤية فكرية وأدبية وفلسفية ونقدية ، وليس مجرد نقل المعلومات من الإنترنت أو الكتب فحسب، بالإضافة إلى إخلاصه في المتابعة مع المتدربين، ونقل خبرته إليهم، وتفتيح مداركهم، وتصحيح أخطائهم.

وإبتكار أساليب جديدة تساعد المتدربين علي العصف الذهني ،وأن يكون مصدر إلهام حقيقي يساهم في تطوير كتاباتهم و أفكارهم دون التأثير علي أساليبهم و منهجية الإبداع الذاتي بداخلهم والتي تذكي فرادة الأسلوب وتميز الكلمة لدي كل منهم  .

كما تقوم أيضا بكسر فكرة الوحي وإنتظار الإلهام لتنتقل بالمبدعين من الهواية إلي الإحتراف مثلما كان يفعل الكاتب الكبيروالأديب المبدع “نجيب محفوظ” فقد كان يخصص ساعات محددة للكتابة تجبر الإلهام علي إحترامها وكذلك العديد من كبار الأدباء حول العالم .

والورش الإبداعية لا يجب أن تكون قاصرة علي حديثي العهد بخوض غمار الكتابة وفن الإبداع الأدبي وإنما تشمل من لهم خبرة وباع في هذا المجال بهدف مساعدتهم علي تلافي الجمود الأسلوبي ونضوب الأفكار .

و الورش الإبداعية ليست ظاهرة أدبية حديثة، إنما هي موجودة في أميركا منذ ثلاثينات القرن الماضي،ثم إنتقلت إلي بريطانيا .

ولعل لنا في تجربة المبدع المصري الكبير “إدوارد الخراط “اسوة حسنة فقد كان يمارس فعلا يشبه ما تقوم به الورش الإبداعية الأن دون وضع مسمي لذلك فقد  كان الخراط يقضي لقاء أسبوعياً مطوّلاً ومنتظماً عُرِف باسم “لقاء الأربعاء” مع عدد كبير من كُتّاب التسعينيات يقرأ معهم، ولهم، ويُحلّل معهم نصوصهم، ويطوّر معهم أفكاره هو، ويطوّرون هم بدورهم معه أفكاراً وقصصاً.

 ويجب علي المتدرب ألا يعتمد علي ما تقدمه له الورش الإبداعية ومدربيها إن _جاز التعبير _ فقط، بل يتعين عليه أن يثقل خبرته أيضاً بقراءاته الخاصة، حتى يخلق بصمة تميزه في الكتابة، ولا يتأثر بمنهج من يدربه.

ودعونا نتفق علي أن تعلم الكتابة “لا يصنع موهوباً ” وإنما يتوقف دور الورشة علي  تنمية الموهبة وتطويرها، ومساعدة المتدرب علي امتلاك أدواته والوقوف علي نقاط الضعف والقوة في منتجه الأدبي من خلال رؤية نقدية موضوعية غيورة علي فنه وإبداعه تهدف لخروج المنتج الإبداعي في أبهي صورة ممكنة دون محاباة أو تنمر .

ويجب علي المدرب أن يتحلي بالصبر والآناة في الحكم علي منتج المتدربين فبعض المواهب لا تنضج وتظهر قدراتها في أولي أعمالها وأروع مثال علي ذلك الكاتب الروسي فيودور دوستويفيسكي

فمن يقرأ الروايات الثلاث الأولى لدوستويفيسكي ، يعتقد أنه شخص لا يستطيع الكتابة، وأنه لا يتمتع بالموهبة، في حين أنه أصبح حجر زاوية لمدرسة أدبية لها تقنياتها ومنهجها .

وكل هذه الأغراض النبيلة السامية في أهدافها تتعارض في رأيي مع فكرة التربح المالي الذي يفسد أرقي الغايات ويحولها إلي مايسمي “بالسبوبة التجارية ” فكلما كانت الورش مجانية أو بنذر يسير من النقود لضمان الإلتزام لكان أوفق لغايتها وغرضها و أكثر يسرا وسهولة علي الموهوبين الذين يعانون في شتي صنوف حياتهم من المادة ومعضلاتها .

ورشة “تجربة ” نموذجا 

عندما فكرت في القيام بعمل ورشة ” تجربة ” المجانية للكتابة الإبداعية إستنادا علي خبرتي النقدية بشكل أساسي وشغفي بالكتابة الإبداعية وصنوفها وممارستي لها وإعتقادي في قدرتي علي إفادة الموهوبين الباحثين عن سبيل للإستنارة ولثقل مواهبهم وتقييم أعمالهم بعيدا عن الطرق التقليدية المتبعة في أغلب الورش الإبداعية وبعيدا أيضا عن القولبة الأكاديمية الصارمة ،تساءلت عن إمكانية إطلاق شغف وجنون الكتابة في حيز العقل والمنطق من خلال أساليب مبتكرة للعصف الذهني والكتابة التفاعلية الآنية وتحفيز المتدربين علي الكتابة في مجالات لم يتعودوا علي خوضها والكتابة فيها و مرور المتدربين علي شتي صنوف الكتابة والتعرف علي مدارسها ومناهجها وعناصرها المختلفة والمتفق عليها من قبل الدراسين والمتبحرين في علوم اللغة و الأدب من “قصة قصيرة وقصيرة جدا وكيفية البدء في كتابة رواية وحتي مسرحية الفصل الواحد والفيلم القصير” مستعينة في ذلك بمعارفي وقراءاتي والرجوع لمن هم أكثر مني علما وتخصصا في بعض هذه الصنوف  لتوفير المراجع الأساسية للمتدربين وإستضافتهم أحيانا حتي يستفيد بخبرتهم المتدربين (من أمثال الكاتب والأديب المسرحي الأستاذ /أحمد قاصد و الكاتبة الروائية الأستاذة /عبير درويش والذين رحبوا بتلك الإستضافة المجانية محبة منهم ورغبة في عموم الإفادة .)

كل هذا بهدف إنتاج وعي جديد لدي المتدرب بالكتابة وكسر رهبة التجربة حتي يصل لنضج الموهبة وصقلها وإختبار الذات الكاتبة  في مضامير لم تخضها من قبل لمساعدتها علي تحديد ما تصبو للكتابة فيه من صنوف الكتابة الإبداعية ولتكون ورشة “تجربة ” تجربة حقيقية مختلفة لكل متدرب تعتمد علي المحاولة المستمرة والشغف الذي لايخبو.

و تمهيدا للقسم الثاني والذي سوف يعني بدراسة وتحليل عناصر القصة القصيرة والرواية بشكل أساسي .

شرفت بالتعامل مع متدربين موهوبين أصحاب أقلام محترمة وواعية وأتنبأ لهم بمستقبل باهر في عالم الإبداع من خلال قدرتهم علي إنتاج منتج أدبي راقي وقيم يثري المكتبة العربية ويترك أثرا محمودا يدوم علي مر الزمن .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.