فن وثقافة

ورقة نقدية للمجموعة القصصية “الخبيئة ” للكاتبة أندلس رشدي حسن .. بقلم : هبة السهيت

1-  العتبات :

أول ما يطالعنا في العتبات الغلاف : وقد غلب عليه ذلك  اللون الأزرق ، لون البحر والذي يوحي باللانهاية والعمق السحيق ، ثم سياجين صغيرين في هذا الفراغ الحالم .

مما يوحي بالالتحام بين الانسان والطبيعه

 وفي أعلي الغلاف ، تطل علينا أطراف شجرة كأنها شعر امرأه ، فتؤكد هذا الالتحام .

 وتجهز القارئ إلى عالم أسطوري أو رمزي تمتزج فيه النهاية باللانهاية . والواقع بالحلم .

– وفي صدر الغلاف : إسم المجموعة ، الذي يعد القارئ بكشف المُخَبَأ ، وإزاحة الستار عن المستور ، والبوح بالأسرار العلوية .

– وفي الورقة الثانية: العتبة الثانية :  تصور معني الخبيئة بصورة وجه ، يُخفي صاحبه وجهه ، ويترك عينيه  مكشوفتين ، فتعدُنا بكشف المُخَبأ وإطلاعَنا عليه . فالعينُ مكشوفةٌ لتري وتُبصر .

فمن دخل إلي الخبيئة ، سنريه أسرارها ونبوح له بمكنونَاتِها . وهو وعدٌ  سنري هل وفت به الكاتبة لقارئها أم لا ؟  .

– الصفحة التالية : اشتملت علي العتبة الثالثة: آيتين من خواتيم سورة البقرة والتي تعني : أنه   لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعُها فلا يُجهدها، ولا يُضَيّقُ عليها في أمرِ دينِها، فيؤاخذُها بهَمةٍ إن هَمّت، ولا بوسوسةٍ إن عَرَضَتْ لها، ولا بِخَطْرةٍ إن خَطَرَتْ بقلبِها.

 – فهي اعتذار عن التقصير إن وجِد ، فلا يخلو الإنسان من تقصيرٍ ، ثم هما آيتانِ قيل :هما آيتان أَنْزَلَتَا من كَنزٍ تَحتَ الْعَرْش، فنَاسَبَتا ما نحنُ مُقْبِلُونَ عليه ، من تحليقٍ في فضاءِ الأكوانِ ، والعروجِ إلى سماءِ المعاني ، والغوص في أغوار النفس  ،والالتحام بالطبيعة .

ثم ننتقلُ إلى العتبةِ الرابعةِ في الإهداء : حيث كان الإهداءُ إلى طنينِ الأجراسِ  ، والتي لا نعرفُ منها غير أنها طنينٌ و رنينٌ ، لكن الإجابةَ على طنينِها يَشِي بما تقول ، كانت الإجابةُ (أمهليني قليلاً ، فإن موعدي لم يَحِنْ بعد ) إذاً فهي أجراسُ الإنذارِ بالنهايةِ ، أو أجراس تنبيهٍ بالوصول إلى محطةِ النهايةِ ، فهاجسُ الموتِ يُؤرقُ النفسَ ، ويَسْكنُ الوعيَ ، ويُمَثّلُ أجراساً ملحةُ ، لا تنقطعُ أو تتوقفُ  ،وهو إيذانٌ بتحليقِ السردياتِ في هذه العوالمِ العليا ، أو في أغوارِ النفسِ العميقة ِ، ثم هي تشي بطريقةِ السردِ،  وبأنه سردٌ ممتلئ ٌبالفراغات التي على القارئ أن ينشطَ  ليملأها .

العتبة الخامسة : مقدمة الكتاب : وهي رسالةٌ موجهةٌ صراحة للقارئ ، تبدأُها بنصيحةِ لهذا القارئ ، بألا يُسَلّمَ نفسَه للخيالِ تماماً ، وأنّ عليه أن يكون دائماً لصيقاً بواقِعِه ، بل لا يُغريه  أفقُ الخيالِ الواسعِ في السرديات ،  إلى أن ينفصلَ في تأويلِه إلى الخيالِ المُنْفَلِتِ،  فيبتعدَ عن الموضوعِ،  ويذهبُ في متاهاتِ اللاعودة ، فتغيمُ الرؤيةَ ،  وتستعصي عليه العودة للسردِ ، وينفصلُ عن الواقعِ فتنعدمُ الرؤية وينعدم الفهم ، فتدُلّ  القارئَ علي منهجِ التناولِ والقراءةِ ،  بأن الأفضل له أن يُحلقَ مع الخيالِ ،  لكن فليحرص أن يكون مرتبطاً بواقعِ السردِ  ، فليملأَ الفراغاتِ بما يناسبُ هذا الواقع النفسي والسردي ، إنها دعوة للتأويل بحسب أحوالِ كلِ قارئٍ وواقعَه، متمسكاً ومرتبطاً بواقعِ السردِ ، حتي لا يبتأس بعدم الفهم . بسبب الابتعاد بالخيال والانقطاع عن السرد .  .

– ثم تُقدِم قصصَها للقارئِ  قائلةً أن بين دَفّتَيّهِ :  “قصص تُروى ، وأحداث تترى ، وخيالات تطوف بالعقل ثم تجد لها ظهورا وترجمة على الورق فتخرجُ من غيومِ العقلِ إلى إشراقِ الترجمةِ والتصنيفِ ، وتُعبِّرُ عنه اللغةُ ليكتملَ إشراقها ، فتتحول تلك الصورُ والخيالاتُ التي كانت تحومُ في العقلِ ثم تكمنُ في النفسِ ، إلى مكونات نفيسة ، ولما كانت الأيقونات والتمائم ، مكوناتٍ ميتافيزيقية ، فقد استدركت  بقولها : أيقونات وتمائم بشرية ، فنفت التقديس الديني المفارق عنها ، وهي  نادرة الوجود ، لأن العقلَ والنفسَ البشريةَ تُماثِلُ البصمةَ ،  التي لا يتشابه فيها شخصان ، فهي سمةٌ لا تتكررُ في الوجود .

– ثم تنتقلُ إلى بيانِ شخوص السردِ ،والشخوصُ جَمْعُ شخصٍ ، والشخصُ : سوادُ الإنسانِ وغيرهِ تراه من بعيد، والبُعدُ هنا معنوي فهي أي الشخوصُ تتقافزُ في المُخِيّله ،  فتصفُها بأنها شخوصٌ مخادعةٌ ، وتتمُّ بين الساردِ وشخوصِه عمليات ُ خداعٍ مُتَبَادَلَة ، فالشخوصُ تَعِدُها بالوصولِ إلى الماوراء ،  إلى اكْتِنَاهِ أسرار الغُيوبِ ، ولكنها تكتشفُ أنها تدورُ معها في حلقات مُفْرَغَةٍ ، وهنا كان خِداعُها ، الوعد الذي لا تستطيع الوفاءَ به ، وخداعُ الساردِ في أنَّه يعودُ تاركاً تلك الشخوصُ في متاهاتِها الغيبيةِ  ،إلى الواقعِ مرةً أخري .

 هل كان الساردُ يستشعرُ أنَّه يخاتِلُ قارئَه ، بحملِه إلى سماواتِ الغيوبِ والماوراء ، في وعدٍ بكشفِ حجب مخبآتِ الأسرارِ ، ثم يدورُ به في دوائرَ مفرغةً ، ليعودَ القارئ خالي الوفاض؟؟؟ ولذلك نصحه ألَّا يستسلمَ لهذه التحليقات ويتمسك  بواقعِه ؟؟ كما مرّ ؟؟!!

العتبة السادسة :

وهي الصفحة الأولى في السرد وهي نظم شعري بعنوان (لا)

حيث استخدمت الكاتبةُ النظم َ الشعري ، مع النص السردي ، في عناقٍ يذكرنا بمنهج المتصوفة ، والذين كانوا يضعون ، في ثنايا نظمهم الشعري ، مفتاح سردياتهم المغلقة على الأغيار ، لأن الشعر يُسْمَحُ فيه بما لا يُسْمَحُ في النثرِ ، فيُقالُ خيالُ شاعر ، أو فلتةُ خيالٍ جامحٍ . ولا يُؤاخَذُونَ عليها .

فضَمّتْ مع كلِّ سرديةٍ مقطوعةٍ منظومة . تلخص فيها الفكرة أو توضحها ، أو تُسَلّم القارئَ شفرةَ الرمزِ  في السرديةِ النثرية

وفي نظم المقطوعة (لا ) نظمت الكاتبة مجموعة من الحكم

فتنصح الآخرَ ، بألا يَشْغَلَ البالَ بما مضي ، ولا يندمُ فليس الندمُ بنافعِ ، ولا يبْك فالبكاء يشير إلى سَقمِ النفسِ ، ثم تنتقلُ من النفي إلى الإثبات :فانطق بالحق وامح فسادَ العقلِ ، الذي هو والعدمُ سواء ، ثم تعودُ للنفي ، لا تحزن علي ما ضاعَ من الأموالِ،  فهي إلى زوالٍ ، واقنع بما قُدّرَ لك ، والتزم طريقَ الأخيارِ .

فالمنظومةُ ، تتراوحُ بين النفي والإثبات ، أو تبدأ بالخاص وتنتهي بالعام . فتبدأٌ بالنهي عن الندم،  وعن الدمع وتنتهي بالاستسلام للقدر

وبهذا تكون العتبات قد استوفت كل رموزها ودلالتها من منظورنا  .

2- المجموعةُ القصصيةُ تشتملُ على نوعياتٍ مختلفةٍ من القَصصِ ، وإن كان كثيرٌ منها  يميلُ إلى الجنس الرمزي .

وقد تكونت من 12 قصة  تبدأ بقصة (استئصال) ، وتنتهي بقصة (الهاتف).

ونستعرض في عجالة قصصَ المجموعةِ :

 القصة الأولي بعنوان (استئصال ) :

وهي قصةُ خليةٍ سرطانيةٍ تم استئصالها من جسد رجلٍ ، والساردُ هي الخلية ، ويتم السرد الاستراجعي من الخلية لتحكي الأسباب النفسية لتضخمها وانقسامها ، وتنتهي بموت الرجل والخلية ، وندمها على ما اجترحته في حق نفسها وحق الجسد كله.

وفي القصة أنسنة للخلية ، كما أنها تشير إلى أن الخلق له نظام دقيق للغاية ، وهو نظام يشمل كلَّ الأشياء والأكوان ، وأن كل عنصر موظف توظيفا دقيقاً ،  بحيث أنَّ أي خروج عن هذا النظام الكوني يؤدي إلى فناء العنصر المتمرد ، والكيان كله .

وهذا المعني يتماهى مع آخر سطور المنظومة الافتتاحية والتي انتهت بالنصيحة  بالاستسلام للأقدار .

تبدأ السردية بنرجسية متفاقمة ، وانتفاخ نفسي غير مبرر للخلية ، وشعور بالتفرد ، وتمرداً على قدرها . واستصغارا لحجمها  الذي تري أنها تستحق أكثر منه  ، وفي الحوار الاسترجاعي تكتشف أنها السبب في موتها وموت الكيان الذي كان يحتويها .

– والاستسلام للأقدار ، يحمل معنيين أحدهما سلبي والآخر إيجابي ، والسردية تعرضت وعرضت للجانب الإيجابي  منه ..لأنها ، تحكي عن الخروج عن القانون الكوني الطبيعي ، وعن الموت ، والخلط ربما يحدث بسبب أنسنة  الخلية . حيث يختلط مفهوم الاستسلام للقدر بالتواكل . والاستسلام للاقدار واجب بعد وقوع البلايا ، أما قبلها فالاستسلام للقدر مذموم .

 ونستدعي هنا حادثة امتناع عمر بن الخطاب عن دخول الشام حيث  انتشر فيه الطاعون ، فقرر الرجوع فاعترض عليه أبو عبيدة قائلا “أفرارا من قدر الله ؟” فقال نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله ”

– تَعقُب السردية منظومة بعنوان (العمر الجميل ) :

وفي الحقيقة هي مرثية لعزيز غاب عن الحياة وغربت شمسه ، وربما… كان الرجل الخمسيني في السردية   ، وبفقده غاب الزمانُ ، وغاب الحلمُ الجميل ، وتعاني السردية من حياءٍ ،ربما على بقائِها بعد غيابِه ، كيف استطاعت الحياةَ بعد فراقه .

كأنِّي بهذه القصة إهداء لهذا العزيز المفارق . وكأنها أحد عتبات النص أيضا .

القصة الثانية : بعنوان (الحاذقات ) :

هذه القصة تحكي قصة (سعاد) المستسلمة للأقدار بشكلها السلبي ، وكأنها تنبه القارئ إلى ما لاحظناه وتدلَّه على أنَّ الاستسلامَ للأقدارِ لا يكون في حوادثِ الحياةِ وصراعاتِها ، بل فقط بعد وقوعِ البلاء ، فالقصةُ تعرض لنا الاستسلام السلبي ، ليكون المقابل للاستسلام الإيجابي في القصة السابقة ، ومن هنا فالقصتان يجمعهما جامع ، هو وجهي التسليم للأقدار بشكله الإيجابي والسلبي .

فسعاد (كثيرا ما تستسلم لأقدارها طائعة مختارة ) و(هي في النهاية تترك   تصريف أمورحياتها لأقدارها المزعومة ، التي كثيرا ما تخذلها في أغلب الأوقات ) .

– وتسعي سعادُ للعمل بعد مطالعتها لإعلانٍ عن العمل بمصنع ملابس جاهزة ، وتسترجع ذكرياتها في عملها السابق في مطعم للوجبات الخفيفة ، والتي طردتها صاحبتُه شرَّ طِردة ، بل منعتها من باقي مستحقاتها ، بعد الثلاثة شهور اختبار ،  واستسلمت سعاد لقدرها رغم شعورها بالظلم الشديد . ثم تعمل لدي صاحبة المصنع ، والتي تعطيها ستة شهور اختبار ، ثم طردتها بعدها.

– لم تر سعاد في طردها من العملين إلا أن صاحبتي العمل حمقاوتان ، ثم انتقمت منهما في خيالِها في حلمٍ من أحلام اليقظه فقط كتعويض عن الشعور بالظلم البين لها والإهانات التي وجهنها لها . وطردهما إياها من العمل .

لكنها بعدما أفاقت من حلمِها ، راجعت نفسها ، ورأت أنَّ فكرةَ الانتقامِ ممن ظلمها هي فكرةٌ سخيفة وغير مجدية ، وعصيَّة على التنفيذ ، وسوف تضرها ، وكان قرارها أن تظلَّ فتاة مسالمة بشرط ألا تفرِّط في حقوقها مهما كانت الظروف .

نلاحظ في هذه السردية :

 بأنَّ صاحبتي العمل كانت سماتهُم الجسدية على النقيضِ تماماً ، كما أنَّ طبيعة الوظيفتين كانتا متباعدتين في طبيعتهما ، مما يشي بأن (سعاد) غير متخصِّصة ، ولا مدربة على أيِّ عملٍ ، وأنَّ طردها كان يتناسبُ تماما مع عجزِها عن القيام بأي عمل ، لكنها لا تعترف لنفسها بدورها في طردها ، فهي تُحَمِّل الآخرين مسؤليةَ طردها . وفي النهاية هي تقرر الاستمرار في نهجها ، وتدّعي أنَّها ( لن تفرط في حقوقها )، مع أنَّها تسببت في خسائر كبيرة لصاحبتي العمل .

ويشيرُ تكرار تهديد صاحبتي العمل لها بإبلاغ الشرطة للمفارقة ، أنها كانت لجوجة ترفض الانصياع إلى طردها . وهو عيبٌ آخر في شخصيتها لا تريد الاعتراف به .

 

– أما العنوان : “الحاذقات”

فلمْ نجدْ في قصتِنا أيَّ شخصيةٍ حاذقة ، فأصحابُ الأعمالِ لمْ يظهرْ منهم حذقا ، وسعادُ أقرب للبلاهةِ منها للحذق ، فلا نملك إلا اعتبار هذا العنوان من باب السخرية من صنف (سعاد) ، اللاتي يدَّعين الحذق وهن أقرب للبلاهة .

 وعموما فبين العنوان (الحاذقات ) وبين موضوع السرد نوع من التضاد أو الطباق . بالاصطلاح البلاغي  القديم .

– نأتي إلى المعزوفة الشعرية والتي كانت بعنوان : (رمس وهمس )

ورغم عدم وضوح العلاقة بين الشعر وبين القصة ، إلا أننا يمكن أن نستروح  بأن الشعر على لسان شخصية سعاد ، هو من باب استمرار المذكورة على دعاء الحذق . كعادتها . 

فيكون العنوان (رمس وهمس ) قُصد به الصوت الخفيض الخفيُّ ، ويصبح معنى الأبيات أنها تم إغراءها بمباهج الحياة المغشوشه لكنها فطنت لهذا الخداع ورفضته .

ونلاحظ استخدام بعض الألفاظ المهجورة ك (العمس )

–  (والرمس )

فالرمْس : بسكون الميم  تعني : القبر ، أو التراب .

 وبتحريك الميم (الرمَس) تعني الصوت الخفي

فالعنوان :  (رمس وهمس ) إذا قُصد به الصوت الخفيض ، فتكون (الرمس ) بتحريك الميم ، وهي لهجة خليجيه .

و العَمْسُ: أن ترى أنك لا تعرف الأمر، وأنت به عارف.أو إخفاء الخبر

العُمْس هُنَا كالحُمْس َهِي الشدَّة

الطمس : تعني : بُعد النظر ،إزالة الأثر ، وطمس الصور إزالتها : المحو

– فاختيار كلمات مهجورة وغير مستعمله يُخِلُّ بالفصاحة ، ويعوق الفهم ، وربما ألجأت القافيةُ إلى  هذه الاختيارات للألفاظ المهجورة

القصة الثالثة : (الأبواب الافقية)  :

هذه سرديةٌ رمزية كاملة الرمزية ، والقصةُ في ظاهرها عن رجلٍ ضعيف البصر  ، ذي ساقين معوجتين لا تكادان تحملاه ،وأصابع مرتعشة متقوسة،  ويعيشُ في دارٍ منعزلا عن العالم ، والدارُ معزولةٌ في بقعةٍ جرداء ، وفجأة سمع الرجلُ نقراتٍ  على الباب  بدأت خفيفة ثم تحولت الى إعصار يريد أن يدكَ هذا الباب ، فيسارعُ الرجلُ محاولاً فتح البابِ باحثا عن مقبضِ الباب ، لكنَّه لمْ يعثرْ أبدا على هذا المقبض ، في هذا الوقت تحولت  الخبطات إلى إعصار من الخفقات تكاد تحطمُ البابَ تحطيماً ، ولاحظ أنَّ البابَ قد غيَّر وضعه من الرأسي إلى الأفقي ، وتخيل أنَّ هناك بعض الغرباء يحاولون تحطيم الباب ، وفي محاولته العثور على مقبض الباب فوجيء أنَّ الباب قد غير وضعه من الوضع الرأسي إلى الوضع الأفقي ، ولما أعيته الحِيل في فتح الباب ، وتحت وطأة الطرقات على الباب وخوفا من تحطيمه ، قرر أن يقوم هو بنزع المفصلات لخلع الباب من مكانه ، ولمَّا خلع الباب لمْ يجدْ هؤلاء الغرباء ، الذي ظنَّ أنَّهم يتآمرون على تحطيم الباب والتخلص منه ، بل لمْ يجدْ شيئاً وراء الباب ، ووجد السكون يعمُّ الخارج ، وندم على خلعه الباب ، وعلى هذا الهوس الذي أصابه بسبب الوحدة التي يحياها داخل تلك البناية العتيقه ، والتي صورت له حدوث أشياء لا وجود لها .  ولمَّا حاول إعادة تثبيت الباب اكتشف أنَّ الباب لمْ يتغير وضعه كما كان يتخيل . 

 وتأتي المعزوفة الشعرية ترسم نفسَ الصورة من الوحدة والعجز عن التحقيق أو التحقق .

التعليق :

– السرديةُ والنظمُ يعبران عن مجتمعات العالم الثالث وعيشها في عزلة عن العالم الخارجي ، ثم ما يطرق  سمعها عن التطور الهائل في خارج بيتها ومجتمعها ، وتبدأ هذه الأخبار والمنتجات والمفاهيم تهاجم بيتها المنعزل ، وتظن للوهلة الأولى أنَّ هذه الطَرَقات على بابها إنمَّا هي لأغراب يحاولون  اقتحام بابها من القيم والتقاليد والأعراف ، فتستميت في الحفاظ على هذا الباب  حتى إذا تكاثرت الطَرَقات وخوفاً من تحطيم هذا الباب ، تُقرِّر هذه المجتمعات فتحَ الباب ، ولكنَّ الباب ليس من السهل فتحه ، فتسعى إلى خلعِه ، وبعد خلعه ترى أنَّ ما كانت تحسبه هجوماً ضاريا ما هو إلا  خيالات وأوهام ، فتحاولُ إعادة الباب من القيم والعادات والتقاليد ولكن هيهات ، فإنَّ ما تم خلعه لا يمكن أن يعود إلى أصله ، كما أنَّ صعوبة فتح الباب تحت وهم أنَّه باب عجائبي ، يتضح أنَّه غير صحيح وأنَّه بابٌ عادي ، ولولا الوهم لاستطاعوا فتح الباب دون خلعه .

 الملاحظة : المعزوفة الشعرية لمْ تقدمْ إضافة  إلى السردية بل كانت أقلَّ تعبيرا منها .

 

القصة الرابعة بعنوان : (الراهبة سنتيا ) :

 هذه القصة هي تعبير عن نفس المعنى السابق ، لكنه يعبر عن تلك القِلَّة التي كانت سبب عزلتها ؛ أوهام التدين والعزلة في رحابه ، والتي تمثلها حياة الرهبنة ، أي العزلة الدينية بشكل أساسي ، وتعبر ان هذه العزلة وان كانت اختيارية غذتها التنشئة والمجتمع ، إلا أنها كانت عزلة غير صحيحة ولا صحية ، بل ضد الطبيعة البشرية ، وانتهت بأنَّ المنعزِل عن العالم بسبب عقيدته ، لن يخلع الباب بل سيخلع نفسه ،  سيموت أيضا تحت وهم الذنب الذي لم يستطع العصمة منه ، إنَّ تخلية المتوهم عن الطهارة وعن عزلته العقدية ، أدته إلى الانتحار .

 فليس المقصود هنا الرهبنة في ذاتها ؛ بل استعيرت الرهبنة للتعبير عن المعني المقصود.

 وكان الأسلوب متماهيا مع حالة التدين الشفيف ، والتمسك بالإله ، والعيش في ظلال الوهم المفاهيمي الديني المخالف للغريزة والمضاد لها ، يؤدي بدلا من التنعِّم بالسعادة ، يؤدي إلى الهزيمة ثم إلى الشقاء ثم الانتحار المعنوي وأحيانا المادي ، في حركات هدامة يدمرها المجتمع ، كما دمَّر مبضعُ الجراحِ الخليةَ السرطانية ، ليحمي بقيَّةَ الجسمِ ، وهو ما يهددُ الجسد الاجتماعي كلَّه بالدمار .

القصة الخامسة بعنوان (الخبيئة ) وهو عنوان المجموعة :

الخبيئة قصة رمزية ، وحيث أن كاتبتها أرادتها خبيئة ،  فلماذا لا نحترم رغبتها وندعها خبيئة ، فلربما كانت بالفعل خبيئة ، ويحضرني هنا “رسالة أصوات اجنحة جبرائييل ” للسهروردي” والتي وجدت في أوراق المستشرق “هنري كوربان ” ، والتي انتهت بذيل وتعليق كان نصه :

 ”  من أفشي لطائف أسرار ذلك الشيخ العظيم الشأن إلي العوام وإلى غير أهله ستنفصل نفسه عن بدنه وسيصبح فضيحة الرجال .وربنا مشكور ومحمود والصلاة علي محمد وآله وسلم تسليما ”

 وعندما اتذكر كيف مات “هنري كوربان ” منتحرا ،  ذلك المستشرق الذي كان يعمل عليها، أخالُ أنَّها كانت تحقيقا لذلك التذييل والتعليق .

 فدعونا ندع الخبيئة كما أرادتها مؤلفتها خبيئة .ونستعيذ بالله بكشف وجهها فيصيبنا ما أصاب المستشرق المذكور.

 وقانا الله وإيَّاكم المخبآت

القصة السادسة :  بعنوان (المقهي الغابر) :

 العنوان يشي بأنَّ القصة ستتناول التاريخ

 – شخصيات القصة  (السيد نعمان ) ذلك الرجل الذي يمثل المؤرخ أو التاريخ ، وهو الذي يتواجد في المقهي أي مكان تجمع الناس ، وعلى ناصيته ليراقب أحداث الشارع ، أي يجلس بحيث يستطيع الاطلاع ورصد ما يجري داخل المجتمع وعلي حواشيه من احداث ، ومعه حقيبة يده الممتلئة بأوراقه ودفاتره ..الخ ، وهو حين يتسلق الشارع يوميا ، ولا يجد أي أسوار يتكئ عليها ، بما يعني أنه يكتب التاريخ المشاهد ويرصده…. فهي عملية إبداع لا رائد له فيها فيما يخص ما يرصده ، والدفتر الأصفر الذي يخرجه هو التاريخ القديم ، يتصفحه في نهم شديد يُقلِّب صفحاته ، الممتلئة بالتعليقات بكلِّ أنواع الأحبار والخطوط ، والتاريخُ هو خواطر ذاتية عن الأحداث التي يشاهدها أو الأخبار التي تُنقَل إليه ، ففي النهاية يتم عمل فلترة لها بذائقتِه وخلفياتِه وعلمه ، فهي بالضرورة ذاتية .

 وأول ما يرصده ، جموعَ الناس التي تؤمن بالأوهام والأكاذيب ،وتتوحد في التقرب لصاحب الضريح ،والذي يعرف (السيد نعمان) أنَّه بناء خاو لا وَليّ فيه ،   وهو وإن رصد الأوهام المتعلقة بالمعتقد ؛ فلأنها أكثر الجوانب التي ينساق إليها الناس بدواعي الغيبيات ، والإيمان المسطح ،ثم هي من أهم الوسائل لجمع الأموال لأصحابها والقائمين عليها ، ويتماهى مع الإيمان بالأولياء ، كلُّ إيمان لا يعتمد على أصولٍ ثابتةٍ من العقل والنقل . فهناك أوهام اقتصادية تخدع الناس ، فيتبارون في الإقبال عليها والتنافس حولها ، ثم تنتهي باستنزاف أموالهم ، وهناك أكاذيب إعلامية ، وهناك أكاذيب تاريخية ، وهناك أكاذيب سياسية ..الخ

– ثم ينتقل السيد نعمان إلى الوراء قليلا ، ليحكي لنا أو يؤرخ لنا ، أحد قصص الخداع من سدنة الأضرحة ، كنموذج لغيرهم من اصناف  المخادعين ، وكيف أنَّ التاريخ يعرف حقيقتهم لكن لا يستطيع إلا أن يرصد  ، فقط عندما يموت  المخادع ،  فيتكلم عنه  التاريخ ويكشف عواره ، حيث نطق نعمان الأخرس ،ولعن هذا المخادع بمجرد موته . أما أثناء حياة المخادعين فلا يستطيع التاريخ أن يكشف عوارهم .

هكذا كان الحال عبر التاريخ . فالتاريخ أخرس في حياة الطغاة وينطق بعد موتهم .

 

– ثم يرصد جنازة وسيرة حياة المتوفي ، وهو ما شاع في كل التواريخ عن وفيات السنة . لكن هو ينقل من أفواه الناس ما قيل عن الميت ، وربما كان النقل غير صحيح ، (ربما كان النعش فارغا) .

– ثم ينتقل إلى الكلام عن الأبِّ ،وما دمنا في حضرةِ التاريخ ،  فالأبُّ هنا رمزٌ وليس حقيقة الأبِّ ، والأبُّ له كواليس ، ويتقابل مع (جِنٍّ ) أي يتقابل مع أشخاصٍ في الخفاء ، وهم أشخاصٌ يتكلمون بلغات مختلفة ، لا يعرف التاريخ ما يجري في الغرف الصماء .

 والأبُّ معتكف في قصِره أو غرفته  لا يخرج إلا نادرا  ،ونشاطُ الأبِّ في أغلبه ليلي أي في الخفاء ، فما يجري في الغرفة المغلقة أكثر بكثير مما يُعرف عنها خارجها  . 

– والأبُّ له عيونٌ ترى من خلف الجدران ، وكأنَّ ( الحيطان لها  ودان )، والويلُ لمن يحاولُ أن يتجسس على الأبِّ أو يتصنت عليه ، فعقابُه شديدٌ مخيفٌ .

– وذات  يومٍ وجِد الأبُّ مقتولا غارقا في دمائه ، ولا يُعرَف قاتلُه على الحقيقة ، وضِعَ الأبُّ في النعش للدفن ، وعندما أرادوا إخراجه لدفنه ، اختفت جثة الأِّب ، نعم اختفى الأبُّ بجبروتِه ، فليس بعد الموت جبروت ، بل ومُحيت آثاره من الأب الجديد ، حتي قبل دفنه …

– أصاب الإرهاق السيد نعمان وقرر الانصراف ، ليجد أن نعمانا آخر جلس مكانه بنفس مواصفاته ليقوم بالرصد .

 فقصتنا دائرية تنتهي كما بدات ، والدائرية تعني السيروره .

– الأسلوب القصصي تراوح بين السرد والاسترجاع ، واستخدم الأساطير عن الولاية والجنِّ ، وتضمن من المعاني الكثير .

– القصة السابعة : القبطان

القصة تحكي عن قبطانٍ يستمتع بمنظر الشمس والبحر وصوت الموج الهادئ ، ثم يتبيَّن المفارقة بين ما يشاهدُه من هدوءٍ ،  وبين  نبوءة العرَّافِ وتحذيره له من أنواء البحر ، ثمَّ يرى البحر في ديمومتِه وخلودِه ، ويتساءلُ أو يتمنى أن يكتسب البشرُ خلودَ البحرِ وديمومتِه ، ثمَّ يتذكرُموعدَ حبة دوائه المنشطة ، ولكنَّه يقررُ أن يتناولَ كلَّ الأقراص ، وفجأة يشعرُ بنفسِه وقد أصبح عملاقا ، ويختفي البحرُ والسفينة وقد ابتلعهما العملاقُ في جوفِه ، وينظرُ إلى البحر في جوفِه ليكتشفَ سببَ خلوده فلا يجدُ غير الظلمةِ ويشعر تجاه البحر بالوحشة ، وقد اكتنفته هذه الظلمة وصوت هدير الأمواج الصاخبة داخله ، ، ويقرر أن يُنهي هذا الوضع ، بإلقاء البحر خارج جوفه ليعود البحر إلى حالته الأولى ، ويكتشف القبطان أنَّ جمال البحر يرتبط  برؤيته من الخارج ، والاستمتاع بظاهره ، ثم أدرك أنَّ الإنسان كائن خُلق للفناء ، حيث يحملُ فناءه من لحظة ميلاده ، وأنَّ البحرَ سيفني ولكننَّا لن نعايشَ هذا الفناء ، وهنا أدرك صدق نبوءة العراف .

 وتـأتي المعزوفة لتُضيف إضاءة مهمة على السردية ، وتكشف بعض شفراتها .

التعليق : القصةُ تعبِّر عن شوقِ الإنسان الأزلي إلى الخلود ، وبحثه عن سرِّ هذا الخلود ، ويُمثل القبطانُ الإنسانَ ، والسفينة تمثل حياته التي تُبحر عبر البحر أي الزمن في هدوء ودعه ، والحبوب المنشطة هي أداةٌ لإدخال القبطان في الماوراء بشكل مؤقَّت ، وابتلاع البحر والعملقه هي رمزٌ لوصول الإنسان إلى قُرب الألوهية  المتعالية ، لكنَّه اكتشف أنَّ الإنسان لن يسعد بالألوهية ، فهو ليس مُعداً لها ، وطبيعتُه التي سينعم فيها هي الحياة القصيرة ، وأنَّ تبعاتَ الخلود هي الشقاء لهذا الإنسان ، وتم الربط بين القاء البحر خارج الجوف وبين عودة القبطان إلى طبيعته ـ بين تعاطي الحبوب ، التي سببت الحالة وبين اخراجها من الجوف لعودة العقل إلى حالته ، فجاء الربط بين الواقع والفانتازيا بشكل منطقي.

وأنارت  المعزوفةُ الشعرية ،موضوع شوق الإنسان إلى الألوهية ، واستخدمت الأسطورة اليونانية وآلهة الأوليمب ، حيث الآلهة تكاد أن تكون أنصاف آلهة أو آلهة متجسدة . لتقرِّب الآلوهية للبشر وتقرب الخلود من الانسان . فتمزج بين الفكرة والخيال ، إذ الالوهية المتعالية والمطلقة ،  لا تناسب المقارنة بالبشر، من هنا استعارت آلهة اليونان المتجسدة . .

 وأشارت المعزوفة إلى ذلك الثلج والصقيع المادي والمعنوي الذي تعيش فيه الآلهة ، مقارنة بدفئ العلاقات الانسانية ، لوحت بالوحدة والعزلة في عالم الآلهة ، في مقابل التواصل الإنساني الحميم ، ستفعل كما يفعل أولئك الآلهة ، لكن هناك فناء بلاضرورة يترصد لك.

القصة التاسعة : المنشد

قصة صبي في اسرة في أقاصي الصعيد يتسم بالهدوء والقناعة ، والأدب  ورث من أبيه حبه للعزف على الربابة وإنشاد التواشيح ، وكان يؤلف الكلمات ، ويبدع الألحان ، (لم يتمتع بطفولته كباقي الاطفال ) .

 

 شبَّ صالح واستمر في تأليف التواشيح وكان منها مخاطبا الله تعالي : فأنت في وريدي ..وأنت في كياني ..وأنت في سمعي وبصري ) ولكن انتقده بعض شيوخ القرية المتعنتين واعتبروه يتجاوز العقل والمنطق ، وقالوا : ( كيف يقول أن الله يسكن في وريده ويسكن في كيانه ؟  أما يعلم أن الله قد استوي علي العرش ليدبر الأمر ؟  كيف يقول أن الله في سمعه وبصره؟ أما يعلم أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ؟ )

كبر صالح وأصبح له مريدين يأتون ليتعلموا منه التواشيح ، وفي ليلةٍ ألَّف مقطوعة تواشيح أثارت عليه الشيوخ حيث قالوا :

(عرش الله هو القلوب الطاهره؟

كيف يتأتي ذلك وعرش الله في السماء؟

الله هو العدل الساكن فينا؟

حاشا لله فإن العدل صفة من صفات الله ، وليست كينونته وذاته

 الله منا ونحن منه ؟

كيف نكون جزء من تكوين الخالق عز وجل ، والله قد خلق سيدنا آدم من طين، ونحن نسل آدم ، ياللكفر الواضح البيِّن

الله بداخلنا ونراه في كل الأشياء ؟ ياللعار على كل من ينطق بهذا القول المشين ، إن الله يرانا ونحن لا نراه ، حقا إن هذه الانشودة هي القشة التي قصمت ظهر البعير ، فلنحاول إبعاده عن القريه إذن)

 وأغري هؤلاء المشايخ أهل القرية بطرد صالح حتي وصل الأمر إلى إطلاق النار عليه للتخويف ، فاضطر إلى مغادرة القرية ، مرَّت الأيام وتغيَّرت الأمور ومات الشيوخ وتطورت الأفكار . وعاد صالح بربابته وأنشد مقطوعة جديدة وفارق الحياة . دفنه أهل القرية ونسخوا تواشيحه علي قبره .

 التعليق ، الهدف من القصة بيان المفارقة بين الروح الطليقة للشاعر ، وفطرته السليمه الناصعة ، وبين الشيوخ المتزمتين المتحجرين المتمترسين خلف عقائدهم المتصلبه ،أولئك الذين يحتكرون الصواب ، ويظنون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ، ومن خالفهم فهو بالضرورة كافر أو زنديق .

 ثم بيان أن تطور المجتمعات ضروري ،و بتغير الزمن ، تتغير نظرة الناس وافكارهم ، وتستنير  بصيرتهم وبصائرهم ، ويختفي ذلك التشدد والتنطع ، ويحل مكانه الرفق واللين وقبول الاخر . عندها يجد الشاعر أو الأديب مكانته ، لذا كان  الأدب لا ينمو إلا في مناخ من الحرية.

 ملاحظات :

 1- وصف صالح جعله لا يتمتع بطفولته بارادته  ، وهو ما لا يتسق مع واقع الحياة ، وكان فيه  مبالغة غير منطقية

2- كلام الأمِّ له كان مفتعلا في بعض العبارات ، وليس كلام الأمهات العادي ، وكانت حريا أن تتعدد  اللغات بحسب القائل

3- المآخذ التي أُخذت على صالح ليست صحيحة ، وبعضها لا يمكن أن يعترض عليه الشيوخ ، لأن له أصل في الحديث . وفي التصوف .

 فمثلا الاعتراض: (كيف يقول أن الله يسكن في وريده ويسكن في كيانه ؟  أما يعلم أنَّ الله قد استوي علي العرش ليدبر الأمر ؟ ، كيف يقول أن الله في سمعه وبصره؟ أما يعلم أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)،   لا يمكن أن يصدر هذا  الاعتراض من الشيوخ ، إذ أنه ورد في الحديث الصحيح :

 (صحيح البخاري :وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا)

 وهو من أشهر الأحاديث في المجال الديني، فلا يكون مثار اعتراض من الشيوخ مهما كان تعنتهم .

 ثم الاعتراض على قوله : “فأنت أقرب إلي من حبل الوريد )

 وردت في آية قرآنية : ({وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]

إلى غير ذلك ، كما أن الشعر يُتسامَحُ فيه ما لا يُتسامحُ في النثر ، ولذلك كان الصوفيةُ يبوحون  في أشعارهم بما لا يستطيعون البوح به في نثرهم . ويُقبَل منهم ذلك .

 فالحجج التي وردت لمْ تكنْ مقنعة أو صحيحة ، ولمْ تكنْ لتخدم الرسالة التي أريد لها أن تصل إلى للقارئ .

 

ملاحظات عامة :

– كانت الصيغ اللفظية التي تسبق المفاجأة فيها بعض المبالغة ، في حين أن المواقف كانت تصور المفاجأة والدهشة دون الحاجة لاستخدام هذه الصيغ اللفظية .

– اللغة في كل المجموعة كانت على مستوى واحد ووتيرة واحدة ، فلم تتعدد اللغات بتعدد الأشخاص وظهر ذلك جليا في حوار أم صالح مع ابنها في قصة (المُنشد)

– بعض المقطوعات الشعرية المصاحبة ، لمْ تقدمْ إضافة للسرد ، وبعضها  اتسم بالإبهام .

– جري استخدام بعض الألفاظ المهجوره (كالعمس ، والرمس )

– اتسم السرد بتعدد الحوارات بين السارد العليم وبين حديث النفس 

–  وتعددت الصيغ بين الوصف والخبر والاستفهام ، والتقرير ، والنفي ، وتعددت الافعال بين الماضي والحاضر والمستقبل .

 مما اضفي علي السرد ديناميكية ، وتوتر  ، وتشويق ، في إطار من الفانتازيا المحببه . للوصول إلى المعنى المركزي في القصة .

 – تعدد استخدام الاسترجاع للماضي  مما يشكل إثراء لأنواع الحوارات

 – جاء المستوي اللغوي على درجة عالية من الرقي والتمكن

– تم استخدام الكثير من الصور البلاغية  التي أضفت شعرية على النص .

 – استطاعت استخدام الرمز بشكل يترك للقارئ مساحة ليعمل فكره فيها ، ويسبح بخياله ، ويعيد استكمال الفراغات .

– نجح السارد في الغوص في أعماق اللاوعي واستخراج  الحالات المتولدة في العقل الباطن ، ومن الأزمات المبهمة في اللاوعي واستخدامها في مواضيع سرده.

 

– يظهر في المجموعة قدرة الكاتبة في التصرف بمفردات اللغة وتراكيبها بشكلٍ غير مألوف، و التعبير بمعطيات الحواسّ ومراسلاتها وتقاطعاتها، والإيجاز و التكثيف (في المقطوعات الشعرية )

– نجحت المجموعة القصصية في  خلخلة نظم الخيال التقليديه لدي القارئ ، وجعلته يتطلع  إلى قضايا فلسفية سياسية ميتافيزقية، كالموت والقدر والحقيقة.

(adsbygoogle = window.adsby || []).push({});
الوسوم

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق